لذا كانت المدينة الصغيرة معبرا تاريخيا لقوافل التجارة وجيوش الغزو ... وعبور الأديان، من العائلة المقدسة وحتى جيوش الفتح الإسلامى. [1]
أخذني أخى الأكبر ذات يوم إلى شعبة الإخوان المسلمين وسجلت إسمي في قسم الأشبال. كنت أصغر أعضاء الأشبال عمرًا، 6 سنوات تقريبا وبالطبع كنت أقصرهم قامة، فضمن لي ذلك أن أكون دائما في مقدمة طابور الأشبال أثناءمسيراتنا إلى خارج البلدة في الصحراء حيث نحفظ قصار السور، ويقص علينا - الأخ مسعد- مسؤول الأشبال، وهو في عمر أخي الأكبر ومن أصدقائه، يقص علينا قصص من السيرة والغزوات.
كان الإسلام الذي تلقيناه في قسم الأشبال بالإخوان علي يد الأخ مسعد يختلف عما ألفناه في بلدتنا.
كان إسلام البلدة عبارة عن طقوس وإحتفالات وقصص أكثرها يثير الرهبة مع كثير من التشويش.
ورغم أعمارنا الصغيرة إلا أننا أدركنا أن الإسلام أكثر عمقا وجدية عما تعلمناه في البلدة سواء من الأهل أو المشايخ في الكتاتيب أو المدارس الحكومية.
كانت الرؤية الإسلامية للإخوان والتي صاغها الشيخ حسن البنا متكاملة ومحكمة، عبر عنها شعارهم المشهور والجامع:
"الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".
ورغم مرور نصف قرن من الزمان منذ أن تعلمت الإسلام بهذه الطريقة، فإنني لا أتصور فهما أفضل وأعمق للإسلام خارج تلك الحلقات الخمس المترابطة (الله، الرسول، القرآن، الجهاد، الشهادة) قد يبدو فهم هذه المعاني شيئا عسيرا بالنسبة لطفل في السادسة من العمر. لكن هناك عاملان ساهما في أن تكون المهمة سهلة ويسيرة.
العامل الأول هو الحالة الجهادية التي كنا نحياها وتحيط بنا من كل جانب. عمليات الفدائيين كما كان يطلق عليهم آنذاك كانت حديث المجالس في كل
ساعة. ومسرحها لا يبعد كثيرا عن بلدتنا. وهناك معسكرات في الصحراء على حافة البلدة يتدرب فيها إخوتنا الكبار، ورجال من البلدة. هناك أسلحة تنقل سرا وتخبأ بعيدا عن أعين جواسيس الإنجليز والحكومة بعدما غيرت موقفها من أحداث القناة. وشارك في تلك النشاطات ليس الإخوان فقط بل أفراد كثيرون من أعمار ومهن وطبقات اجتماعية متباينة.
شارك في الأحداث أطفال ورجال ونساء، شارك بها طلاب وفلاحون وعمال ومتعطلون.
وحتى بعض أبناء الليل جرفهم الحماس، بعضهم تاب إلى الله على يد شباب الإخوان وشارك معهم في العمليات وأدوا أدوارا بارزة واستشهد بعضهم.
(1) .فى بلدة كهذه، يانعة كنبتة خضراء على حافة الصحراء من السهل أن يدرك المرء أن الموت ليس النهاية، وأن الشهادة بشرى حبيبة، يتمناها طوال حياته حتى يتوقف قلبه عن النبض. بشرى غالية، لحياة أبدية في نعيم لا ينفذ