فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 151

منذ فجر التاريخ والموت هو أهم الأحداث في حياة المصريين. ومازال كذلك خاصة في الريف.

لهذا كانت مراسم إستقبال بلدتنا لجثث الشهداء مهيبا وتقشعر له أبداننا كأطفال. وخلافا للمراسم المأساوية للجنازات في مصر، كانت مراسم تأبين الشهداء حماسية وتثير حمية العامة للجهاد هكذا كانوا يطلقون على القتال ضد الإنجليز في الأوساط الشعبية وكان الخطباء يتابرون في الإشادة بمآثر الشهداء ويدعون الناس إلى الإنخراط في كتائب المجاهدين.

كان هذا هو الجو العام جو يعبق بأريج الجهاد فما كان أيسر أن نفهم رغم حداثة عمرنا ذلك المفهوم الرائع للإسلام والذي صاغه حسن البنا في شعاره الشهير.

لقد رأينا الشعار يطبق أمام أعيننا من مئات وآلاف الأشخاص من حولنا من الإخوة والأهل والجيران ومن آخرين قدموا من أعماق البلاد في طريقهم إلى القناة للجهاد ضد الإنجليز.

ما كان يمكن لنا أن نفهم بغير هذه الطريقة التي وصلت إلى قلوبنا عبر ما لا يحصى من الأمثلة العملية والمجسدة في أهلنا ومن حولنا من الجيران.

إن الكتب والمحاضرات ليست سوى زاد فكري للصفوة، أما البشر الذين يجسدون في حياتهم بين الناس مبادئ الدين فهم حقا الوسيلة الأمثل لنشر الدين على الأرض.

العامل الثاني الذي ساعد في تيسير ذلك الفهم علينا رغم الطفولة وحداثة السن، هو شخصية الأخ مسعد المسؤول عنا في شعبة الأشبال، كان بالنسبة لنا عملاقا مهيبا رغم أن عمره لا يتجاوز السابعة عشر فقط.

كان هادئا حازما حنونا ويعتبرنا مهمته المقدسة. وبقدر الأهمية التي أولاها لنا زادت أهمية الأخ مسعد لدى كل أشبال الشعبة، وكانت أهميته وهيبته لدى

الأشبال تأتي قبل هيبة الأب أو الأم.

كان لنا معه عدة لقاءات كل أسبوع، يبدأ أغلبها بصلاة الفجر جماعة في الشعبة، ثم مسيرة طويلة في الصحراء خارج البلدة. ثم تمارين في الزحف وعبور الموانع الطبيعية المناسبة لنا، ثم دروس في القرآن والسيرة والغزوات. كان ذلك أحب اللقاءات إلى نفسي. ولقاءات أخرى بعد العصر للدروس وتمارين على الخطابة بالطبع كانت محاولاتنا مضحكة جدا لكنه كان يأخذها بجدية تامة ويعطينا إرشاداته لتحسين مستوانا. ثم يضيف فقرته الأخيرة وهي أشق

الفقرات على أنفسنا في تنبيه كل شبل إلى أخطائه فقد كنا نخشى من تأنيب الأخ مسعد رغم أدبه ورقته لكنه كان أشد على نفوسنا من صفعات وركلات الأهل في تأديبهم لنا.

بعد إنقلاب الجيش في يوليو 1952 م شعرت بتغير كبير في الشعبة ونقص في الحماس وشيء من الإضطراب لم أفهم له سببا.

وترك أخي الأكبر الإخوان، بينما بقيت مع الأشبال حتى إعتقالات 1954 م. وإن كان ذهابى أصبح نادرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت