ثم جاءت الإعتقالات وكان أكثر ما هزني تلك الأنباء التي وصلت إلى البلدة عن التعذيب المخيف الذي نزل بالإخوان، وأصابتنا بالكمد تلك الأخبار عن الأخ مسعد وأنه تعرض للإنهيار نتيجة التعذيب في المعتقل.
لقد شاهدنا أو عاصرنا حروبا أخرى مع اليهود، وكنا نفتقد الإسلام في تلك الحروب، وكان ذلك مترجما في إفتقاد الإخوان. إختفي مصطلح الجهاد من الحياة العامة، واقتصر الإلتزام الديني إلى داخل الحدود الضيقة التي تسمح بها حكومة الثورة. والإنتماء إلى جماعة الإخوان
كان إتهاما كفيلا بتدمير المتهم وعائلته والمحيطين به.
عاصرنا حرب 1956 م ثم حرب 1967 م وهزيمتها الشنعاء ثم حرب الإستنزاف على ضفاف القناة بين مصر وإسرائيل ثم ثورة العمل الفدائي الفلسطيني.
ومع أوائل السبعينات بدأ نشاط الإخوان من جديد لكنهم لم يظهروا على مسرح الحرب التالية في عام 1973 م.
كذلك لم يظهروا على الساحة اللبنانية، التي كانت بؤرة الصراع في المنطقة العربية بين جميع التيارات الحزبية والعقائدية، بما فيها المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية، بعد أن نجحت (الأنظمة العلمانية والمرتدة) في تحجيم القضية الفلسطينية على مراحل فمن قضية إسلامية إلى قضية عربية ثم أخيرا قضية وطنية خاصة بالفلسطينيين أنفسهم وينوب عنهم ياسرعرفات رئيس منظمة التحرير التي أعطاها (القوميون) صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
وأخيرا في أيام قريبة من وقتنا هذا وقع عرفات وثيقة الإستسلام ورضى أن يكون هو والمنظمة مجرد قوات أمن لحماية إسرائيل ومركز تلك القوات غزة وأريحا. غاب الإخوان أو غيبوا عن كل تلك الأحداث طوال تلك المدة وغاب الإسلام معهم.
ولكنهم عادوا في بداية السبعينات كما ذكرنا، وكما تبدلت معالم المنطقة وأوضاعها السياسية والإقتصادية والفكرية. كذلك تغير الإخوان ... تغيروا كثيرا ...
فليسوا هم أولئك الفرسان الذين قاتلوا في فلسطين، وليسوا هم أولئك المجاهدين الأبطال على ضفاف القناة ... إنهم قوم آخرون ... جدد في كل شيء ... ولله في خلقه شؤون.
مع بداية السبعينات كنت في حالة مناقضة تماما لذلك العصر الذهبي لفترة الأشبال. فبعد نكبة الإخوان عام 1954 م بدأت فترة مظلمة لكل شعب مصر بعد أن أجبرته الثورة على السير في عكس طريق الإسلام. لقد سافرت في رحلة طويلة داخل بحر الظلمات الذي فرضته الثورة فيما عدا نوبات متقطعة من الإلتزام بالصلاة، ذابت كل الإلتزامات بالإسلام.
وحتى قبل أن أبدأ في دراستي الجامعية كنت قد توقفت تماما عن الصلاة والصوم. وحسبت نفسي من يومها أقرب إلى (الماركسية) بحكم صداقات عديدة تكونت في تلك الفترة مع يساريين من مصر.