تعرضت مدينة هيرات الأفغانية لمجزرة هائلة راح ضحيتها ثلاثون ألفا من المسلمين على أيدي القوات الشيوعية التي يدعمها طيران سوفييتي. وكانت أخبار هيرات تصل بالتفصيل إلى (الشيخ طاهر) ونستمعها منه أولا بأول.
بدأ فصل الربيع، وحددت مع إسماعيل موعدا تقريبيا للسفر مع بداية الصيف، وحتى ذلك الوقت كان علينا أن نبحث عدة مشاكل منها توفير مبالغ لشراء أسلحة لنا. في رحلة بيروت السابقة لم نكن مضطرين لشراء السلاح فقد كان متوفرا بكثرة لدى فتح، أما هؤلاء فأسلحتهم قليلة وقديمة، وطبقا لما أفادنا به الوفد الأفغاني فإن الأسلحة متوفرة في أسواق المنطقة القبلية في باكستان وهي ملاصقة للحدود الأفغانية.
المشكلة الثانية هي ضرورة إنضمام أشخاص جدد إلينا فلا تبقى) القضية(جامدة ومحصورة في شخصين فقط.
المشكلة الثالثة حاجتنا إلى دليل يعبر بنا باكستان ويوصلنا إلى مكان المجاهدين.
بالنسبة للمشكلة الأولى كنا سويا نعاني من أزمة مالية نتيجة لمشاكل في العمل واجهتنا بعد العودة من لبنان. أما المشكلة الثانية فكان أقرب الناس إلينا هما شابان من مصر"بدوي"و جمال، وكلاهما مرتبط عائليا بالذهاب إلى مصر مع الأسرة في الإجازة الصيفية.
ومن المصادفات السعيدة تلك الليلة التي قابلت فيها ذلك الشاب الصعيدي"أحمد المنياوي"في منزل صديقي"أمين نار". كان بينهما صداقة متينة وجمعتهما الجذور"الإخوانية"القديمة في عائلتيهما. فأحمد هو إبن"الحاج حسني المنياوي" [1] المجاهد القديم في فلسطين والعضو السابق في القسم الخاص بالإخوان.
وأمين من عائلة إخوانية متأصلة، خاله الشيخ عبد البديع صقر، وعمه أحمد نار [2] من العسكريين البارزين في إخوان 1948 ومؤلف كتاب) القتال في الإسلام(وهو إسم غريب في عالم الكتب.
إكتشفت فيما بعد الصفات التي ربطت كلا الشابين في صداقة قوية، فكلاهما كريم إلى درجة غير عادية، وكلاهما ذكي ولماح، وكلاهما جسور مقدام. أما أحمد فكان له ميزة إضافية هي موجات الغضب التي تنتابه فجأة، وعلى كل من حوله وقتها أن يختبئ خلف أقرب ساتر.
ولكنه ما يلبث أن يعود إلى طبيعته ويشعر بالندم. ورغم تلك)لإنفجارات المنياوية (إلا أنه كان الأكثر فيمن عرفت شعورا بالرحمة والعدل.
شعرت أن أحمد يعيش نفس الحالة الشعورية للمسلم التائب العائد حديثا إلى دينه، تلك الحالة الروحانية العالية، والحماس للعمل من أجل الإسلام. وكان هذا هو
(1) الحاج حسنى المنياوى: بدأ الجهاد في فلسطين قبل إعلان الحرب رسميًا ودخول الجيوش العربية ومتطوعى الإخوان. وقد أصيب بجروح بليغة أثناء الحرب نتيجة إنفجار مصفحة كان قد صنعها بنفسه وهاجم بها مستعمرة يهودية لكن مصفحته اليدويه لم تصمد للنيران اليهوديه. توفى الحاج حسنى بعد وصوله الى مصر بعدة ايام في مايو 1994. وعاش هاربًا من مصر لكونه مطلوبًا بتهمة الجهاد في فلسطين).
(2) احمد نار: شارك في حرب فلسطين - إعتقله نظام عبد الناصر. وإنهارت صحته نتيجة التعذيب ومات بعد أيام من خروجه من المعتقل بعفو صحي