فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 151

الرباط الذي جمع ثلاثتنا أنا وإسماعيل وأحمد. أما صديقي أمين فكان يعيش حالة إسلامية مستقرة منذ ولادته، وقد أشرف الشيخ عبد البديع على تربيته لهذا لم تكن لديه نفس الروح المندفعة التي إنتابتنا، بل حذرني من تكرار الذهاب إلى لبنان وترك عائلتي، وهددني مازحا بأنه سيمنعني بالقوة، وكان طويل القامة ضخم الجسم، ولكنه والحق يقال كان متعاطفا إلى أقصى حد مع) مغامراتي الجهادية(وكان يكثر الدعاء لي والسؤال عن أحوالي.

تحدثنا في جلستنا تلك عن مشروعاتنا، أمين كان يخطط لإصدار كتيبات صغيرة ومبسطة في أحكام العبادات، أما أحمد فكان أكثر حركية وكان يفكر في رحلة طويلة فوق جمل يطوف في بلدان آسيا يدعو إلى الإسلام، وكان مشروعي هو الجهاد، لأن أمم الكفر تأكلنا كقصعة من ثريد، وأننا سوف نباد ونذبح كالخراف إذا لم نقاتل.

بعد إنتهاء الجلسة ودعنا أمين وخرجت مع أحمد سيرا على الأقدام وتحدثنا في الطريق، وعرضت عليه السفر معي للجهاد في أفغانستان.

إندهش للفكرة ولكوني لم أعرض الأمر على أمين، ولكن ما هي إلا دقائق معدودة حتى وافق بحماس، وطلب مهلة شهرين أو ثلاثة حتى يستخرج جواز سفر جديد. لم تكد الدنيا تسعنا أنا وإسماعيل بهذا التقدم. إن رحلتنا إلى أفغانستان قد كسبت عضوا جديدا، وبعد أن كنا اثنين فقط عند سفرنا إلى لبنان للجهاد عام 1978 م، فها نحن نخرج عام 1979 للجهاد في أفغانستان ونحن ثلاثة. إن)مشروعنا(يتقدم وزاد عدد الأعضاء بنسبة خمسين في المائة مرة واحدة.

أما المشكلة الثالثة من يرافقنا إلى أفغانستان؟ فقد بدأت تحل تدريجيا. فقد سافر إلى هناك)السيد أحمد (إبن الشيخ طاهر بصحبة وفد المجاهدين و عاد بعد عدة أسابيع محملا بمجموعة من الصور الملونة إلتقطها هناك، ومعه رسائل باللغة العربية من قائد المنطقة التي زارها ويدعى جلال الدين حقاني.

كانت الرسائل تصف الأحوال الصعبة للمجاهدين، وإنتصاراتهم رغم ذلك، وتطلب العون والمدد. أما الصور فكانت تعبر بطريقتها عن نفس المعنى.

ولم أتخيل وأنا أطالع الصور أنني ستربطني يوما ما صداقات قوية مع أصحابها، وأن كثيرا منهم سوف يستشهدون تباعا. أو أن قائدهم جلال الدين ستربطني به أحداث طويلة وصداقة قوية لسنوات طويلة، وما زالت مستمرة حتى هذه اللحظة.

أو أن تلك الصخور الصلدة والأشجار الخضراء التي تكسو الجبال سوف تترك بصماتها على جسدي وفي أعماق ذاكرتي.

أو أن أفغانستان سوف تتحول من حلم أو أمل، إلى حياة كاملة وتجربة إحتوت حياتي كلها ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

كما لم أتخيل أن تلك الوجوه الصلدة التي أشاهدها في الصور أمامي سوف تغير تاريخ العالم كله. وبلا شك أنهم هم أنفسهم لم يتخيلوا ذلك على الإطلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت