علم الشيخ أننا عرب فهجم علينا يحتضننا. أخذني بين ذراعيه بقوة حتى شعرت بعظامي تتداخل، وكان يبكي بحرقة ويتمتم بكلمات فهمت منها:"رسول الله ... الصحابة الكرام ... الكعبة المشرفة". ولولا الآلام في عظامي لبكيت معه، وكان في بكائه ينتحب ويتشمم ملابسي ورأسي بعمق وكأنه يريد أن تلتصق تلك الرائحة في جدران صدره. وكأنه يجد فيها عبق هؤلاء الصحابة الكرام. كم كنت خجلا من نفسي وقتها. أصر الشيخ على دعوتنا على الطعام وصعدنا الجبل إلى بيته الصغير. وأخبر الشيخ زوجته العجوز بالخبر المذهل: لدينا ضيوف من العرب.
كادت هي الأخرى أن تطير من الفرح وأمطرت مرافقنا الأفغاني بوابل من الأسئلة فعلمت أننا قدمنا للجهاد في أفغانستان. لم تكد تصدق ما تسمع. وذهبت مسرعة لتصنع لنا طعاما.
فطيرة ساخنة تسبح في السمن مع طبق من الشهد. وإعتذرت هي وزوجها كثيرا عن أن طعامهما غير مناسب، وأننا نريد الذهاب بسرعة ولولا ذلك لذبحا لنا شاة.
خرجنا متأثرين بتلك الحفاوة الصادقة وذلك الكرم العجيب. كنا متفقين أنا وأحمد أن هؤلاء البسطاء في الجبال هم أفضل منا بكثير وأن إسلامهم أكثر صدقا من إسلامنا نحن العرب.
مشينا عدة مئات من الأمتار، وقلت لصديقي: إنني أعجب من هذا الشيخ كيف استطاع أن يتشمم أجسادنا بهذه القوة، بينما رائحتنا لا تطاق من كثرة العرق والأوساخ التي عليها.
بعد لقاءنا مع ذلك الشيخ صرت لا أستغرب الكرم الأفغاني ولا أتوقع له حدودا. حتى عندما قال أحد سكان الجبال وهو يودعنا، وهو يعتذر كالعادة بأن طعامه لم يكن مناسبا وأنه لو كان يعلم بقدومنا) لذبح لنا أحد أولاده(، صدقت ما قاله ولم أستبعده بالمرة. وحمدت الله في سري أنه لم يعلم بقدومنا، فربما كان فعلها مع علمه بأننا لسنا من آكلي لحوم البشر [1] .*
كنا قد تركنا)السيد محمد طاهر (في ميرانشاه بعد أن إجتمع عليه القوم يقنعونه بعدم المسير، نظرا لمشقة الطريق وخطورته. كان الشيخ المسكين يبكي ويقول أريد أن أشم دخان المعارك حتى أنجو من عذاب النار.
فأبكى الحاضرين وإقتنع بصعوبة بالغة بالبقاء، ثم ودعنا باكيا وقال سأنتظركم هنا ... لن أبرح مكاني حتى تعودوا.
كنا نستبعد أن نراه مرة أخرى. فقد كنا نرجو الشهادة ونتوقعها. كنا نسير في نشاط وسرور، بلا تعب أو مشقة كنا نشعر دوما أن أجسادنا فقط هي التي تتحرك على الأرض أما أرواحنا فهي معلقة بين السماء والأرض في إنتظار
(1) فى عام 2001 م رفض الأفغان تسليم أسامة بن لادن إلى أمريكا حتى ولو كانت الحرب هى النتيجة. فهم لايقبلون تسليم ضيفهم لعدوه .. ولا هم يقبلون بتسليم مسلم لكافر. ولولا أخطاء بن لادن، والعرب معه، لقاتل الأفغان جميعًا دفاعًا عنهم (.