أعجبنا الجو القروي للمنطقة، والمسجد المتواضع أمام البيوت وسط ساحة واسعة، وفي مقابله بركة يصلها الماء عبر جدول صغير، تستخدم للوضوء، مع أن الماء فيها ممزوج بالضفادع بحيث يصعب تجنب إغتراف الضفادع مع الماء خاصة في وقت العتمة.
وكان أكثر الناس ترحيبا بنا وفرحا بقدومنا هو شيخ المسجد وهو رجل ضرير، وسيم الملامح ممتلئ الجسم حسن الصوت بارع في تلاوة القرآن. ولديه عدد من الأطفال يدرسون القرآن في المسجد. كان الجميع ينادونه) قاري سيب)، ... أي السيد القارئ. قال لنا هذا القاري كلمة لا أنساها إلى الآن، قال: لقد جئتم إلينا تطبيقا للآية الكريمة) وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر).
وما زال) قاري سيب(كلما قابلني حتى الآن يسألني: كيف حال رفقائك أحمد وإسماعيل؟
كنا بالنسبة لهم مثل كائنات هبطت عليهم من الفضاء. وكانت دهشتهم لا توصف أن يأتي إليهم عرب كانت الدهشة والروحانيات العالية هي سمات رحلتنا الأولى سواء بالنسبة لنا أو بالنسبة للأفغان
وفي داخل أفغانستان كانت مظاهر الحفاوة عجيبة، خاصة من سكان القرى.
فما أن وطأت أقدامنا أرض أفغانستان حتى طار الخبر بسرعة كبيرة، كانت بعض القرى مدمرة وخالية تماما من السكان، وبعض القرى سليمة أو أن الدمار فيها قليل.
القرى التي علمت بأمرنا خرجت تقابلنا عن بكرة أبيها. بعضهم إستقبلنا على بعد مئات من الأمتار من القرية. وكان أكثر ما أحرجنا هم هؤلاء المرضى أو المصابين الذين طلبوا منا أن نرقيهم طلبا للشفاء.
وخرج الناس بأطفالهم المرضى يطلبون منا أن نقرأ عليهم شيئا من القرآن. في البداية رفضت بشدة، ولكن مرافقنا الأفغاني ألح قائلا بأن إمتناعى سوف
يحزنهم كثيرا.
كنت أشعر بالخجل، فهؤلاء المساكين يحسبوننا من أولياء الله الصالحين، بينما نحن على حالة مذرية من ضعف في الدين وقلة في العمل. كنا نراهم أفضل منا حالا بما لا يقارن، لقد تحدوا حكومة كافرة مزودة بجيش قوي حديث وتدعمها قوة عظمى. بينما نحن العرب قد فرطنا في الدين والأرض، ووقفنا نرتجف أمام حكومات من القش. ورغم ردتها الفاضحة فقد أكسبها)علماؤنا (صفة الشرعية وأكسبتها قطاعات العمل الإسلامي الكبرى صفة أولياء الأمر. كنا نرى في القروي والراعي والحطاب الأفغاني أكثر علما وأكثر) حركية (من علمائنا وأبناء حركتنا الإسلاميةوجهابذتها.
ومن بين كل حالات الترحاب التي لا تحصى ما زلت أذكر ذلك الشيخ الهرم، كان بدويا مهيب القامة ذو لحية ضخمة لم تكن لحية أنيقة كالتي ذهبنا بها إليهم قابلناه في أحد الشعاب ونحن نشرب الماء وقد أعيانا المسير وقت الظهيرة، كنت مع صديقي أحمد وأحد المجاهدين.