بالخجل والندم وبقي معها حتى إنتهي القصف ثم نزل كي يساعد في إسعاف الجرحى ونقل جثث الشهداء.
كانت قصة الأم غريبة بالنسبة لي، ولكن أمثال تلك المواقف كانت حقيقة، من نساء ورجال وكان ذلك أحد الجوانب الخفية للأسطورة الأفغانية.
ولما سألت المولوي عن برنامجه الجهادي وما هي غايته، كانت إجابته التي ترن في أذني الآن (سنقاتل الشيوعيين حتى نفتح بخارى وسمرقند) .
بحلقت في وجهه مندهشا ... كيف تذكر هذا الجبلي تلك الأسماء التي ترقد في غياهب التاريخ ا لإسلامي؟ كيف يجرؤ؟ .. لقد نفذت كلماته في أعماقي وشعرت كأنها نبوءة قادمة لا محالة، وإن كانت فوق كل خيال وتصور.
كم كانت نبوءة ذلك الشاب المولوي صادقة وأنا أرى أمامي الآن مجاهدين من بلاد الطاجيك وبلاد الأوزبك يتدربون) في معسكر الفاروق (، ويقاتلون لدحر الشيوعية المتبقية في بلادهم.
إن بخارى وسمرقند باتت على قاب قوسين أو أدنى. ولكن إلى أي مدى خذلنا الأفغان؟ وبالتحديد قياداتهم التي خانت شعبها بل خانت قضية الإسلام في الأرض.
تلك الصلابة وذلك الإقدام والتعالي الإيماني كانت دروسا لا تقدر بثمن، وكنا نحن الذين تربينا في أجواء الذل والقهر والإستخزاء أشد ما يكون حاجة إلى أن نتلقاها على أيدي هؤلاء الأساتذة.
المذهبية ... ثم فاجأني المولوي الشاب بسؤال لم أدرك خطورته إلا بعد سنوات عدة، ... فقال لي: (ما هو مذهبك؟) ... كانت مفاجأة أخرى، فلأول مرة يوجه لي هذا السؤال، وحتى تلك اللحظة لم أكن أدري تحديدا ما هو مذهبي، بل لم يكن لذلك أدنى أهمية لدي.
وتذكرت أن مصر يغلب عليها المذهب الشافعي، فاستنتجت أنني لا بد أن أكون شافعيا كذلك.
فأخبرت الرجل أنني شافعي المذهب. ولكنه واصل السؤال: ماذا تعرف عن محمد بن عبد الوهاب؟.
وقد تصادف أنني أحضرت معي كتابا جامعا لمؤلفات ابن عبد الوهاب، وقد أعجبتني كثيرا خاصة وأن ما كنت أسمعه عنه كان شديد العداء له ولحركته، ولكنني عندما بدأت في قراءة كتبه أعجبني أسلوبه ومنهجه.
وبكل سذاجة بدأت أعدد مزايا إبن عبد الوهاب أمام المولوي الشاب. وبعد عدة سنوات أدركت لماذا لم أر هذا المولوي إطلاقا بعد ذلك وكان هذا هو حديثي الأول والأخير معه. وبعد سنوات أخرى أدركت مدى العداء الشديد الذي يكنه أحناف أفغانستان وهو المذهب الوحيد هنا تقريبا للشيخ إبن عبد الوهاب.
وبعد الجلاء السوفييتي وتفجير الخلافات بين الأفغان والعرب المجاهدين، كان الخلاف المذهبي والعداء بين"الوهابية"و"الأحناف"هي الراية المقيتة لذلك