وتناقلوا بالطبع فيما بينهم وكما حدث معنا كثيرا في سنوات تالية مقولة هازئة بأن العرب خائفون.
مرت طائرة مرتفعة عدة مرات فوق الموقع، ولم نكن إنتهينا من عملنا لأن بعض المجاهدين لم تجف عمائمهم بعد.
وضحك بعضهم وأشاروا إلى الطائرات قائلين، إنها مرتفعة جدا ولا يمكن لها أن تشاهد مثل هذه الأشياء الصغيرة. لقد أدهشني طوال مدة الحرب إستخفاف
المجاهدين بالطائرات النفاثة ولم يكن الحال كذلك مع طائرات الهيلوكبتر كما لمسنا ذلك أيضا منذ زيارتنا الأولى تلك.
كان تقديرنا لخطورة الطائرات كبيرا ويرجع ذلك إلى تراثنا العربي العسكري مع إسرائيل، ذلك التراث المخزي الذي ضخم من دور الطيران وأهميته لتغطية التآمر الرسمي العربي.
رغم أن دور الطيران في الأساس هو دور هام في الحروب خاصة بعد دروس الحرب العالمية الثانية التى أفادت بأن الحرب الحديثة يتم كسبها أو خسارتها في السماء أى أن السيطرة على السماء هي المقدمة للسيطرة على أرض المعركة. لقد إكتشفنا لاحقا ذلك الإستثناء الهام لكون حرب العصابات لا تسري عليها نفس القاعدة بشكل كامل.
فالجبال والأشجار وقلة الكثافة البشرية للمقاتلين وقلة عتادهم ومرونة حركتهم،
تجعل الطائرات القاذفة والمقاتلة النفاثة أو الجت كما يسميها الأفغان قليلة الفعالية بشكل ملحوظ وإن كان تأثيرها النفسي على الأهالي كبيرا لبشاعة الضرر الذي تلحقه بقراهم ومدنهم.
أما الهيلوكبتر فقد أثبتت مرة أخرى في أفغانستان بعد أن أثبتت قبل ذلك في فيتنام أنها السلاح الجوي الأمثل للتأثير على قوات المجاهدين.
على أية حال فإن الطائرات إحترمت ضيافتنا والإجازة الأسبوعية للمجاهدين، واكتفت بعدةد ورات فوق المنطقة، ولكنها منذ صباح السبت تصرفت بشكل غير لائق بالمرة.
فلم نكد نرفع أكواب شاي الصباح حتى صبحتنا أول غارة جوية ونحن مازلنا جلوسا نتبادل البسمات والأحاديث المشوقة، حين فاجأتنا الطائرات المنقضة على مركزنا الصغير.
ساد الإضطراب والفوضى، وتركنا كل شيء وبدأ كل منا يفكر بأقدامه لتقوده إلى أي حفرة. كان وقتا عصيبا لم نواجه مثله من قبل.
ومرت الدقائق كأنها ساعات طوال والإنفجارات تتلاحق في كل مكان من حولنا.
إنتهت الغارة فجأة كما بدأت فجأة. وساد صمت رهيب وإبتعد هدير الطائرات. زففت الخبر السار إلى صديقي أحمد المستلقى إلى جانبي في حفرة شقها السيل في سفح الجبل، وقلت له بصوت خافت لقد ذهبوا وكأنني خشيت أن تسمعني الطائرات. جهزت نفسي لسماع أخبار سيئة ورؤية مناظر فاجعة، فلا بد أن هناك إصابات وقتلى بعد أن تساقطت فوق رؤوسنا مئات من القنابل الصغيرة المليئة بأشرطة من رقائق الألومنيوم التي تتناثر مثل الشفرات القاطعة المشتعلة.