تنادى المجاهدون وكل منهم يخرج من مكان غير متوقع والكل يضحك وكأنها نكتة مرحة.
وكان نفس الشيء يحدث أعقاب كل الغارات التي شاهدتها فيما بعد.
لقد كانت الضحكات إعتذارا مهذبا عن الإختباء والهلع الذي أصاب الشخص لحظة المحنة الجوية.
لم يصب أي أحد وهذا ما أدهشني ما عدا شاب واحد قد أدمت أذنه اليمنى شظية من الألومنيوم المشتعل فأصابته بخدش صغير.
تولى صديقي أحمد علاجه بما يحمله من أدوات إسعاف أولية وكانت تلك أحد مآثره العملية الرائعة. لم نكن نحن أصحاب المشاريع الإستراتيجية الكبيرة نفكر في إصطحاب قطعة من الشاش إلى موقع القتال. لقد كانت أدوات الإسعاف التي حملها المنياوي معه مصدر سعادة للمجاهدين وتجمعوا حولها ينظرون إليها وإلى أحمد وهو يعالج الخدش وكأنهم يشاهدون جراحة معقدة في القلب.
وظن بعضهم أن صديقي إنما هو طبيب نادر المثال، هذا على عادة الأفغان في المبالغة.
سادت البهجة والمرح في صفوف مركزنا بعد النجاة من هذه الغارة المفاجأة والعنيفة، وأعد المجاهدون طعام الغداء والذى يتكون من"الثريد"بشكل ثابت ويومى. وتحلقنا حول القصعة نتناول الطعام غير الشهي بطبيعته ولكننا نتناوله بسعادة وشوق كأننا نستقبل حياة جديدة.
لم يستمر ذلك طويلا فقد باغتنا العدو مرة أخرى بغارة مفاجئة وعنيفة كسابقتها.
تكرر المشهد وتبخرت البهجة. وأطلقنا العنان لأرجلنا وإرتميت وصاحبي في ذات الحفرة.
ومرت السنوات الطوال والقنابل تتساقط على جانبي حفرتنا وعلى طول المعسكر حتى نهاية الشعب، وتحولت التلال المحيطة إلى دخان وأتربة ونيران. مرة أخرى، لا إصابات ولا خدوش.
ولكنني لم أستطع إستعادة حالتي المرحة إلا بعد وقت طويل نسبيا، أي قرب صلاة العصر.
ولم أكد أفعل حتى عادت الطائرات مرة ثالثة لتكرر معنا نفس المشهد البائس، ومرت سنوات أخرى من الرعب وإنتهى المشهد ولكن هذه المرة لدينا جريح، إنه نفس الشاب الذي أصيبت أذنه في الصباح.
هذه المرة أصابته شظية ألومنيوم في سطح قدمه اليمنى فمزقت النعال وحفرت شقا طويلا في الجلد بعمق عدة مليمترات.
لقد نزف كثيرا من الدماء، وتمكن أحمد من إيقاف النزيف وتضميد الجرح، والشاب يضحك مع زملائه ويتبادل النكات حول مغامرات هذا اليوم مع الطائرات وكيف أنه المصاب الوحيد في غارتين.
كانت مشكلته الحقيقية ليس مع الجروح ولكن مع النعال الذي تلف وكيف يتحرك
فوق الصخور والأشواك بقدم جريحة وبلا نعال؟.