بعد صلاة المغرب تجمعنا حول بقايا من الخبز اليابس بدون شاي، فأحداث اليوم لم تترك مجالا لغير ذلك، ودارت الهمسات حول شكوك بوجود جاسوس في المعسكر أو قريبا منه أبلغ"الحكومة"بمكان المركز وتواجد العرب فيه. ولكنني ضحكت وقلت لهم أن مهرجان العمائم كان كافيا لاجتذاب سلاح الطيران الشيوعي بأكمله، ولعل ما حدث اليوم يكون درسا في الحذر.
لم يقصف الطيران هذا الشعب مرة أخرى وإكتفى بقصف مناطق قريبة منه، فقد كان منطقيا ألا يحاول مخلوق أن يقترب من ذلك الوادي مرة أخرى بعد كل تلك القنابل التي أحرقته وأحرقت الجبال المحيطة به.
كان ذلك هو الحساب المنطقي لأي رجل عسكري، ولكنه كان غير صحيح، وكم كان مخطئا ذلك التفكير المنطقي في معظم أوقات الحرب الأفغانية.
لقد كان منطق العمل لدى المجاهدين هو مخالفة كل منطق وذلك لأسباب تتعلق بالشخصية الأفغانية العنيدة وغير المبالية بالمخاطر. كان من المستحيل تقريبا على أي قائد عسكري يواجههم أن يتنبأ بأفعالهم أو ردود أفعالهم إزاء أي عمل. وكانت تلك من ميزات المجاهدين الهامة جدا في عملهم وإن كانت غير مقصودة بالمرة بل غريزية تماما.
وفي ظني أن الغريزة القتالية هي خير أستاذ لرجال حرب العصابات خاصة في مرحلتها الأولى والغرائز لدى الرجل البعيد عن الحضارة هي أقوى منها لدى رجل آخر نشأ في وسط المدينة. لذلك فإن الشعوب"البدائية"أفضل أداء في حروب العصابات من الشعوب المتحضرة.
ولكن تلك الحرب في مراحلها التالية والأكثر تعقيدا، لإحتياجها أكثر وأكثر لمزيد من الأسلحة المتقدمة وما يلزمها من تكتيكات قتالية معقدة نسبيا، في تلك المراحل تكون البدائية والعشوائية كارثة بكل معنى الكلمة. ولا بد من توافر قيادات وكوادر عالية المستوى لتولي زمام تلك الحرب، هذا بالإضافة إلي الأسلحة المتقدمة والتدريب اللازم لاستخدامها على أرض المعركة.
بقينا عدة أيام في نفس المنطقة، تلقينا فيها العديد من قذائف الهاونات الثقيلة أطلقها العدو كنوع من الإحتياط لتأمين المنطقة. وشاهدنا أيضا غارة جوية من هيلوكبتر عسكرية ضد مكان يبعد عنا حوالي كيلومتر واحد، وأدهشني مدى إنزعاج المجاهدين ورهبتهم من تلك الطائرة اليتيمة والبعيدة عنا، وهم المشهورون بالإستهزاء بالمخاطر خاصة إذا كانت بعيدة في الزمان أو المكان.
ولكنهم حكوا لي قصصا عجيبة عن قدراتها وأهما أنها دبابة طائرة لا تتأثر بطلقات أسلحتهم وكانت تلك المعلومة جديدة بالنسبة لي كما أنها صحيحة أيضا والخاصية الأخرى قدرتها على البقاء في الجو لفترة طويلة تفتش وتنقب وتطلق نيران رشاشات ثقيلة وقنابل متنوعة.
وفي الواقع فإن طائرات الهيلوكبتر الروسية من طراز) مى (24 كانت من أفضل أسلحتهم فاعلية في حرب أفغانستان، ولكنها فقدت جزء من هيبتها بعد أن تزايدت عدد قطع الرشاشات الثقيلة المضادة للطائرات في أيدي المجاهدين.