واستمرت تلك المعاناة عدة سنوات، حتى قررنا أن نعمل بصورة شبه مستقلة. بل أن بعض العرب عملوا في مراحل لاحقة بصورة مستقلة تماما ولكن علي مستوى الإشتباكات المحدودة.
ولهذا قصص أخرى ... في مركزنا الجديد كنا في موقع يهدد مدخل دارا من الشمال حيث الطريق القادمة إليها من عاصمة الولاية جارديزالواقعةعلى مسافة خمسة عشر كيلومترا تقريبا
وكان موقعنا الجديد أكثر خطورة على الحامية العسكرية بالقرية لأنه يهدد طريقها الرئيسي للإمداد والحركة.
وهذا ما بدأ به مولوي عبد الرحمن علي إثر تلقيه معلومات تفيد أن قافلة إمدادات عسكرية في طريقها من جارديز إلى دارا، وأن القافلة قد تحمل معها أموالا كرواتب لأفراد القوة وضباطها.
وكان موعد تحرك القوة هو اليوم التالي عصرا أو صباح اليوم الذي يليه. تحركت مجموعتنا بسرعة في صباح اليوم المحدد على أمل أن تكمن للقافلة القادمة عصرا.
وصحبتنا مجموعة أخرى من المجاهدين كانوا على مسافة غير بعيدة فإنضموا معنا في نفس البرنامج.
ركبنا سلسلة التلال المشرفة على الطريق والتي تبعد عنه حوالي مائتي متر، فوجئت بأن مولوي عبد الرحمن قد وضع مدفعا قصير السبطانة بشكل مبالغ فيه ويتحرك على عجلات من خشب صغيرة جدا وله ساتر من الحديد لحماية الرامي. كان مظهر المدفع غريبا وبدائيا. سألت عن وظيفته فقالوا أنه ضد الدبابة. لم أر في حياتي مثل ذلك المدفع لا قبل ذلك الوقت ولا بعده، ومازال بالنسبة لي يمثل لغزا عسكريا يستعصي على الفهم.
لم تحضر القافلة واضطررنا لقضاء ليلة عل الصخور في البرد القارس في الصباح إصطحبنا"مولوي محمد سرور"مترجمنا في المركز إلى مواضع جديدة وأبلغنا بأن الأوامر تقضي بعدم إطلاق النار إلا عند سماع طلقات مولوي عبد الرحمن الذي تقدم صوب الشارع العام للهجوم على القافلة من مكان قريب بينما نقوم نحن وآخرون بالإسناد ومنع عساكر الحكومة من تطويق الجماعة المتقدمة.
في حوالي التاسعة مرت شاحنتان عسكريتان أظن الآن أنهما كانتا لجس النبض وسمعنا طلقة ثم طلقة أخرى وتساءلنا هل هي طلقات القائد أم لا. ولما لم نجد إجابة أطلقنا على الشاحنتين وأطلق آخرون ولكنهما إستمرتا في المسير حتى وصلا القرية وظل الموقف لنصف ساعة في هدوء قاتل، ونحن لا ندري ماذا بعد.
على أية حال قضينا باقي النهار حتى غروب الشمس تحت نيران لا ترحم من جانب العدو شاركت فيها جميع صنوف الأسلحة. وكان لقاؤنا الأول مع الهيلوكبتر التي زنقتنا في حفرة عميقة تتوسطها صخرة عالية وقد شك الطيار في الموضع وظل يحوم فوقه عدة دقائق بينما أنا وزميلي قد فقدنا النطق.