فرغما عن أية خطة ومهما كان القائد متمكنا من عمله فإن الجماعة من المجاهدين ما أن تتحرك نحوالهدف حتى يتحكم بها العقل الجماعي. [1] (.
في العام الأول لم نشاهد جهاز لاسلكي واحد قيد الإستخدام رغم أن عددا منها كان من ضمن الغنائم. ولكن الوضع تحسن كثيرا بعد تدويل القضية وبالذات عندما تكثف التواجد العربي، وللعرب الفضل الأكبر في تزويد المجموعات القتالية من الأفغان بأعداد كبيرة من أجهزة اللاسلكي الصغيرة. وأدى ذلك بالطبع إلى تحسين درجة السيطرة على المجموعات بواسطة قيادتها وإن كانت درجة السيطرة ظلت أقل من المستوى المطلوب. أي أن)العقل الجماعي(ظل متواجدا رغم خفوت حدته.
كان لقاؤنا الأول مع)العقل الجماعي (غير سار بالمرة. فقد فوجئنا في عصر أحد الأيام بخروج جميع أفراد معسكرنا بدون سابق إنذار، وحتى بدون أن يخبروني وصديقي، بتحركهم صوب قرية دارا.
تعجبنا من الأمر وخرجنا من شعبنا الصغير لنستطلع الأمر فوجدنا أعدادا كبيرة من المجاهدين لا ندري من أين أتوا وإلي أين يسيرون وجميعهم متوجه بالخطوة السريعة نحو قرية دارا تعرف علينا أحد الشباب وكان يتكلم العربية بصعوبة وأشار بسبابته في إتجاه القرية وقال (جنك شروع (أي أن الحرب سوف تبدأ.
توقفت وصديقي في إرتباك: ماذا ينبغي أن نفعل؟ إذا تحركنا معهم كان تحركنا بلا أمر، مع أناس لا نعرفهم نحو هدف لا ندري ما هو. وإن نحن بقينا في المعسكر كان منظرنا مخزيا فقد سار الجميع نحو"الجنك"وقعدنا نحن من الخوالف.
قررنا المسير مع العقل الجماعي وما هي إلا بضع مئات من الخطوات صوب القرية وسط تجمع ذكرني بنفرة الحجيج في أيام التشريق، حتى لعلع رشاش ثقيل يصب حممه بين صفوفنا بطلقات متفجرة، إنفجرت إثنتان منها على مسافة ليست بعيدة عن قدمي اليمني، لم أدر تماما أين يوجد ذلك الرشاش ولكن إرتميت إلى الجانب الأيسر محتميا ببعض الصخور.
نظرت حولي فإذا الجميع قد إختفوا يحتمون بالصخور جاء صديقنا الجديد وأشار إلينا أن نتبعه وصعد بنا تلا صغيرا ثم إنحدر إلى مكان حصين بين صخور ضخمة وعنده نبع ماء.
توالت إنفجارات قذائف هاون العدو، ونحن نسأل صديقنا عما يجب أن نفعله وعما ينوي المجاهدون فعله ولكنه لم يجب بشيء يفيد. إستمر الحال كذلك حتى غروب الشمس وتوافد على موقعنا حوالي عشرين مجاهدا فصلينا المغرب جماعة ثم عدنا إلى مركزنا والجميع يتسامر ويضحك ونحن نتساءل في بلاهة: ماذا حدث؟ ... ماذا حدث؟ ... فرد علينا الزملاء ببساطة (جنك جنك!!.)
سألني صديقي: هل فهمت شيئا؟ فأجبته بأنني مثل الأطرش في الزفة.
(1) ورغم عدم معرفتي الدقيقة بمعنى هذا المصطلح، ولكنني أحاول عن طريقه أن أتفادى مصطلحا آخر وهو -روح القطيع- لأنه قد يعطي دلالات غير مقصودة أنظر الكتاب الثالث من سلسلة آدب المطاريد: معركة جلال آباد، أو، حرب المعيز.