فقد أمر كل مجاهد أن يصعد منفردا على أحد التلال المشرفة على المواقع الحكومية في"دارا"ثم يرمي على الجنود خمسة طلقات لا تزيد وأن تبدأ العملية في وقت واحد قبل الغروب بنصف ساعة.
تم تنفيذ العملية بنجاح، ومعيار النجاح هنا هو ردع العدو عن الهجوم. وبالفعل لم يحاول أن يستغل فترة رمضان وعيد الفطر في توسيع نطاق دفاعاته أو التسلل إلي المنطقة وتلغيمها إلى آخر مشاريعه التخريبية. بالطبع شاركت مع صديقي المنياوي في تلك العملية ومعنا دليل من المجاهدين فكنا بذلك أكثر مواقع الرماية عددا. وقد تنبه العدو إلى ذلك بالطبع، فكانت نيران رشاشاته تزأر من فوق رؤوسنا تماما، وكنا نطلق نيراننا من خط الأفق فوق الجبل، وقد ساعد
ذلك العدو كثيرا على التسديد الدقيق علينا، ولكن الله سلم، ولم نكد نفرغ من طلقاتنا المقررة ونتراجع قليلا إلى الخلف ونتبادل الإبتسامات حتى بدأت قذائف الهاون تتساقط فوق القمة، وكالعادة في مثل تلك المواقف المحرجة، تركنا لأرجلنا العنان كي تتصرف بما يلزم.
وصلنا إلي صخرة ضخمة في مجرى سيل ضيق إرتمينا تحتها وتوافد إلينا آخرون من إخواننا.
لقد عاد الجميع سالمين وتوارت الشمس في المغيب، وظهر لنا هلال شهر شعبان فوقف الجميع يدعون الله ويطلبون النصر، وبكى آخرون من التأثر. تمنيت وقتها ألا أغادر ذلك المكان وألا يتحرك الهلال من موضعه، فلم يسبق لي أن رأيته بذلك الجمال.
هكذا كانت طلقاتنا الأولى في سبيل الله، وكنت قد إنتظرت سنوات طوال، بل عمري كله كي أطلقها. وكنت أظنها سوف تطلق في فلسطين، فشاء الله أن تكون في أفغانستان، ولم نكن نتصور أن تؤثر كلا القضيتين على الأخرى بهذا الشكل، وخاصة في تكوين الشباب المسلم في العالم العربي.
خمسة عشر طلقة فقط؟ ... كنت وصديقي نتساءل بدهشة. بعد كل هذا العناء لم نطلق سوى هذا العدد القليل من الطلقات، ولم يكتب لنا أن نشاهد ونشارك في نصر كبير على العدو.
وفي مقابل كل طلقة نطلقها تلقينا من العدو مئات القنابل وآلاف الرصاصات.
وتخيلنا أننا نتلقى من الضربات أكثر مما نوجهه للعدو. لم نستسلم للإحباط، وما أكثر دوافعه التي قابلتنا في هذا الطريق منذ ذلك الوقت وحتى الآن.
تذكر صديقي حديثا شريفا يقول (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة) ، وأخذ يغزي نفسه قائلا: الحمد لله فقد قاتلت فواق ناقة.
أما الخمسة عشر طلقة فلم تكن قليلة كما تصورنا ... بل كان عددا مبالغا فيه بالنسبة لمعايير ذلك الوقت، حيث كان المجاهد يأخذ بندقيته الإنجليزية القديمة وعشر طلقات، ويقضي على ذلك عدة أشهر في غارات وكمائن، وقد يستشهد أو يعود محملا بالغنائم. لقد كان ذلك الجيل الأول يدعو الله ويبكي قبل أن يضغط الزناد ليخرج طلقة على العدو لأنه يعلم أن عدد طلقاته قليل جدا، وقد لا يجد فرصة لتعويض ذخائره ومواصلة الجهاد.