فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 151

ويوم الكمين الأول أطلقت وزميلي عشرين طلقة من إجمالي مائة وعشرين طلقة كانت معنا في أربعة مخازن. بينما لم يطلق أكثر المجاهدين ولا طلقة واحدة، والذين أطلقوا لم يستخدموا أكثر من طلقتين، وما كان معي وزميلي من ذخائر كان أكثر مما يمتلكه معسكرنا كله. ويساوي إستهلاك عدة أشهر من العمليات لهذه المجموعة النشطة ذات الشهرة والمرهوبة الجانب لدى قوات الحكومة.

وهذا جانب آخر من السلبيات العربية في أفغانستان، ألا وهو الإسراف في كل شيء تقريبا، الذخائر، الطعام، المهمات، النصائح والإرشادات بمناسبة وبدون مناسبة ... إلخ.

هذا إلى جانب أوجه الإسراف التقليدية مثل الإسراف في الخلافات والإسراف في التشدد في الأحكام الفقهية والإسراف في الجدال والإسراف في تكوين الجماعات والإنشقاق عليها.

ضروب الإسراف تلك كانت طافية على السطح فطغت على الصورة العربية ولكن ذلك لا يعني أن الجميع قد غرقوا في نفس المستنقع بنفس الدرجة.

ولا أنسى قصة ذلك الأفغاني الذي قابلناه على الحدود الباكستانية يبيع بقرته ويشتري بثمنها طلقات لبندقيته الإنجليزية ثم يتوجه إلى الجهاد، وقد وهبني وصديقي مائة روبية من ثمن البقرة.

وقد وجدنا حرجا شديدا في قبول الهدية النقدية لولا أن مرافقنا مولوي محمد سرور قال أن قبولها واجب في الأعراف المحلية فقبلناها.

إن البقرة في تلك المناطق الجبلية الفقيرة ثروة ومصدر رزق ولقمة عيش، وإستبدالها بطلقات بندقية هو عمل غني بالدلالات. ويبرر الحرص الشديد من جانب المجاهدين في إستخدام طلقاتهم.

لقد تغيرت تلك الصورة المشرقة كما تغيرت كثير من الصور بعدما أوغلت لقضية في التدويل وتعاظم الدور الباكستاني الذي كان رأس رمح أمريكي للعمل ضد الإسلام في أفغانستان.

لقد أصبحت الذخائر مجانية ومتوفرة بشكل جنوني بالنسبة لما كان في مقدور المجاهدين أن يوفروه بجهودهم الذاتية وأموالهم في الأيام الأولى للجهاد أي أيام الإخلاص والإيمان الصافي والممارسة الحقيقية الرائعة لمعاني الفداء والتوكل على الله والبذل للأرواح والأموال في سبيل الله ودفاعا عن دين الله.

إنزوت تلك المعاني وذبلت وكانت تندثر تدريجيا ولم يبق منها في أيام الحرب الأخيرة إلا شذرات شاحبة وأفراد قلائل تخلفوا عن ركب الجشع والمتاجرة بالدماء بل المتاجرة بدين الله، والجري وراء الدنيا والمال والسلاح الذي فتحت خزائنه، أمريكا وحلفائها على إختلاف أصنافهم.

لقد كان الهدف الأول لتوزيع الذخائر والأسلحة في أفغانستان وهي السياسة التي وضعتها أمريكا وطبقتها المخابرات الباكستانية تهدف قبل كل شيء إلى تدمير الدافع العقائدي للقتال وتحويله إلى تنافس على الأموال والأسلحة والزعامات التي تقوم على كثرة ما يمتلكه ويتحكم فيه الزعيم من أموال وأسلحة تأتيه بأوامر أمريكية عبر قنوات باكستانية وكثير من الأموال بل معظمها فيما بعد كانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت