وحَكَى ابنُ عبدِ البرِّ [1] عَنْ جُمْهُورِ أهلِ العلْمِ: أنَّ (( عَنْ ) )و (( أنَّ ) )سواءٌ، وأنَّهُ لا اعتبارَ بالحروفِ والألفاظِ، وإنَّما هوَ باللِّقاءِ والمجالَسَةِ والسَّماعِ والمشاهدةِ
-يعني: معَ السلامةِ مِنَ التدليسِ - فإذا كانَ سماعُ بعضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ صحيحًا، كانَ حديثُ بعضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ بأيِّ لفظٍ وَرَدَ: محمولًا على الاتِّصالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فيهِ الانقطاعُ.
وحَكَى ابنُ عبدِ البرِّ [2] عَنْ أبي بكرٍ البِرْدِيْجِيِّ [3] : أنَّ حرفَ (( أنَّ ) )محمولٌ على الانقطاعِ حَتَّى يتبيَّنَ السَّماعُ في ذلكَ الخبرِ بعينِهِ مِنْ جِهَةٍ أخرى [4] . وقالَ: عِندي لا معنًى لهذا؛ لإجماعِهِم عَلَى أنَّ الإسنادَ المتَّصِلَ بالصحابيِّ سواءٌ فيهِ، قالَ: (( قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ) )، أو (( أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: ) )، أو: (( عَنْ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قالَ ) )، أو:
(( سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: ) )، واللهُ أعلمُ.
قُلتُ [5] : ووَجدْتُ مِثلَ ما حكاهُ عَنِ البِرْدِيجيِّ أبي بكرٍ الحافظِ، للحافظِ
(1) في التمهيد 1/ 12.
(2) التمهيد 1/ 26.
(3) بَرْدِيج: على وزن (فَعْليل) - بفتح أوله - بُليدة بينها وبين برذعة نحو أربعة عشر فرسخًا، ولهذا يقال له: البرديجي والبرذعي، فمن نحا بها نحو أوزان العرب كسر أولها؛ نظرًا إلى أنَّهُ لَيْسَ في كلامهم
(فعليل) - بفتح الفاء - كما أشار إليه الصاغاني، فقال: بِرديج - بكسر أوله - بليدة بأقصى أذربيجان، والعامة يفتحون باءها. فالمراد أن مَن نطق بها على مقتضى تسميتها العجمية فتح الباء على الحكاية، ومن سلك بها مسلك أهل العربية كسر الباء )) .
وانظر: الأنساب 1/ 328، ومراصد الاطلاع 1/ 181، ونكت الزركشي 2/ 33، ومحاسن الاصطلاح 154، ونكت ابن حجر 2/ 594، وتاج العروس 5/ 420.
وجاءت حاشية للمصنّف بنحو هذا في حاشية (ب) و (جـ) ، ونقلها كل من الزركشي، وابن حجر، ومحققة (م) .
(4) وإلى نحو قول البرديجي ذهب الطحاوي في شرح المشكل 15/ 463 (6158) فقال: (( الفرق فيما بين (( عن ) )و (( أنَّ ) )في الحديث: أنَّ معنى (( عن ) )على السماع حتّى يُعلم سواه، وأنَّ معنى (( أنَّ ) )على الانقطاع حتى يعلم ما سواه )) .
(5) سقطت من (ب) و (جـ) .