الثَّاني: إذا قَرَأَ القارِئُ على الشَّيْخِ قَائِلًا: أخْبَرَكَ فُلاَنٌ، أوْ قُلْتَ أخْبَرَنا فُلاَنٌ، أوْ نَحْوَ ذلكَ؛ والشَّيْخُ سَاكِتٌ مُصْغٍ إليهِ، فاهِمٌ لذَلِكَ، غَيرُ مُنْكِرٍ لهُ، فَهَذا كَافٍ في ذلكَ. واشْتَرطَ بعضُ الظَّاهِرِيَّةِ وغيرُهُمْ إقْرَارَ الشَّيْخِ نُطْقًا [1] ، وبهِ قَطَعَ الشَّيخُ [2] أبو إسْحاقَ الشِّيرازيُّ [3] ، وأبو الفتْحِ سُلَيْمٌ الرَّازيُّ، وأبو نَصْرَ بنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الفُقَهَاءِ الشَّافِعِيِّيْنَ. قالَ أبو نَصْرٍ: لَيْسَ لَهُ أنْ يَقُولَ: (( حدَّثَنِي ) )أو (( أخْبَرَنِي ) ) [4] ، ولهُ أنْ يَعْمَلَ بما قُرِئَ عليهِ، وإذا أرادَ روايَتَهُ عنهُ قَالَ: (( قَرَأْتُ عليهِ، أوْ قُرِئَ عليهِ وهوَ يَسْمَعُ ) ). وفي حِكَايةِ بَعضِ المصَنِّفِيْنَ للخِلاَفِ في ذَلِكَ أنَّ بعضَ الظَّاهِرِيَّةِ شَرَطَ إقْرَارَ الشَّيْخِ عِنْدَ تَمامِ السَّماعِ، بأنْ يَقُولَ القَارِئُ للشَّيْخِ: (( هوَ [5] كَما قَرَأْتُهُ عليكَ؟ ) )، فيقولُ: (( نَعَمْ ) ). والصحيحُ أنَّ ذلِكَ غَيْرُ لاَزِمٍ، وأنَّ سُكُوتَ الشَّيْخِ عَلَى الوجْهِ المذكُورِ نازِلٌ مَنْزِلَةَ تَصْرِيْحِهِ بتَصْدِيْقِ القَارِئِ اكْتِفَاءً بالقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ، وهذا مَذْهَبُ الجماهِيْرِ مِنَ المحَدِّثِيْنَ والفُقَهَاءِ وغَيْرِهِمْ، واللهُ أعلمُ.
الثَّالِثُ: فيمَا نَرْوِيهِ عَنِ الحاكِمِ أبي عبدِ اللهِ الحافِظِ [6] -رَحِمَهُ اللهُ- قالَ: (( الذي أخْتَارُهُ في الروايةِ وعَهِدْتُ عليهِ أكثرَ مَشَايِخِي وأئِمَّةَ عَصْرِي أنْ يَقُولَ في الذي يأخُذُهُ مِنَ المحدِّثِ لَفْظًا وليْسَ مَعَهُ أحَدٌ (( حَدَّثَنِي فُلانٌ ) )، وما يأخُذُهُ مِنَ المحَدِّثِ لَفْظًا ومعهُ غيرُهُ
(( حَدَّثَنا فُلاَنٌ ) ). ومَا قَرَأَ عَلَى المحدِّثِ بنفسِهِ: (( أخْبَرَنِي فُلاَنٌ ) )، وما قُرِئَ عَلَى المحدِّثِ وهوَ حَاضِرٌ (( أخْبَرَنا فُلاَنٌ ) ) [7] .
وقَدْ رُوِّيْنا نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ -صَاحِبِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنْهُما- وهوَ حَسَنٌ رَائقٌ.
(1) في (ب) : (( مطلقًا ) ).
(2) لم ترد في (أ) .
(3) اللمع: 48.
(4) قال الزركشي في النكت 3/ 489: (( ما قاله ابن الصبّاغ من أنه لا يطلق: (( حدّثنا ) )، ولا: (( أخبرنا ) )، هو الصحيح عند الغزالي، وحكاه الآمدي عن المتكلمين وصحّحه وحكى تجويزه عن الفقهاء والمحدّثين، وصحّحه ابن الحاجب وحكاه عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، وبقيت هنا مسألة ملحّة: وهو أن يشير الشيخ بأصبعه أو رأسه إلى الإقرار ولا يتلفّظ، فجزم صاحب المحصول بأنه لا نقول في الأداء: حدَّثني ولا أخبرني ولا سمعت، وفيه نظر )) . وانظر: المستصفى 1/ 165، والإحكام 2/ 90 - 91، والمحصول 4/ 646.
(5) في (م) : (( وهو ) ).
(6) انظر: نكت الزركشي 3/ 490.
(7) معرفة علوم الحديث: 260.