وذَكَرَ الإمامُ أبو الفتْحِ سُلَيْمُ [1] بنُ أيُّوبَ الرَّازِيُّ الفقيهُ: (( أنَّ مَنْ رَوَى بعضَ الخبرِ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَنْقُلَ تَمَامَهُ وكَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بأنَّهُ زادَ في حديثِهِ، كانَ ذلكَ عُذْرًا لهُ في تَرْكِ الزيادةِ وكِتْمانِها ) ) [2] .
قُلْتُ: مَنْ كَانَ هذا حالَهُ فليسَ لهُ مِنَ الابْتِدَاءِ أنْ يَرْوِيَ الحديثَ غيرَ تامٍّ، إذا كانَ قَدْ تَعَيَّنَ عليهِ أداءُ تَمَامِهِ؛ لأنَّهُ إذا رواهُ أوَّلًا نَاقِصًا أخْرَجَ باقِيَهُ عَنْ [3] حَيِّزِ الاحْتِجاجِ بهِ، ودارَ بَيْنَ ألاَّ يَرْوِيَهُ [4] أصْلًا فَيُضَيِّعَهُ رَأْسًا، وبَيْنَ أنْ يَرْويَهُ مُتَّهَمًا فيهِ، فَيُضَيِّعَ ثَمَرَتَهُ؛ لِسُقُوطِ الْحُجَّةِ فيهِ، والعِلْمُ عندَ اللهِ تَعَالَى.
وأمَّا تَقْطِيعُ الْمُصَنِّفِ مَتْنَ الحديثِ الواحِدِ [5] وتَفْرِيْقُهُ في الأبْوابِ، فَهُوَ إلى الجوازِ أقْرَبُ، ومِنَ المنْعِ أبْعَدُ. وقَدْ فَعَلَهُ مالِكٌ، والبخَارِيُّ وغيرُ واحِدٍ مِنْ أئِمَّةِ الحديثِ ولاَ يَخْلُو مِنْ كَرَاهِيَةٍ [6] ، واللهُ أعلمُ.
الثَّامِنْ: يَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ ألاَّ يَرْوِيَ حَدِيْثَهُ بِقِرَاءةِ لَحَّانٍ [7] أوْ مُصَحِّفٍ. رُوِّيْنا عَنِ النَّضْرِ بنِ شُمَيْلٍ أنَّهُ قالَ: (( جَاءتْ هذهِ الأحاديثُ عَنِ الأصْلِ مُعربةً ) ). وأخْبَرَنا أبو بكرِ
(1) بالتصغير، انظر ترجمته في: وفيات الأعيان 2/ 397، وطبقات الشافعية لابن هداية: 147.
(2) البحر المحيط 4/ 362.
(3) في (ب) و (م) : (( من ) ).
(4) في (ع) بعد هذا: (( إذًا ) )، ولم ترد في شيء من النسخ ولا في الشذا ولا التقييد.
(5) انظر: نكت الزركشي 3/ 617 - 620.
(6) خالفه النووي في التقريب: 135 فقال: (( وما أظنه يوافق عليه ) )، وقد عقد الخطيب في الكفاية: (294 - 295 ت، 193 - 194 هـ) بابًا سمّاه: (( ما جاء في تقطيع المتن الواحد وتفريقه في الأبواب ) ). نقل فيه آثارًا عن الأئمة في جواز ذلك.
(7) قال الزركشي في نكته 3/ 620: (( وتعبيره باللّحّان بصيغ: (( فَعَّال ) )يقتضي تصويره بالكثير، وهو كذلك؛ إذ لَمْ يسلم من اللحن أحد )) .
وقال ابن فارس: (( اللَّحْنُ - بسكون الحاء - إمالة الكلام عن جهته الصحيحة في العربية، يقال: لَحَنَ لَحْنًا ... ) ). مقاييس اللغة 5/ 239.
وفي الصحاح 6/ 2193: (( اللَّحْنُ: الخطأ في الإعراب، يقال: فلان لَحَّانٌ ولَحَّانَةٌ، أي: كثير الخطأ ) ).