هَذَا مِنْ أجَلِّ نوعٍ وأفْخَمِهِ فإنّهُ المَِرْقَاةُ [1] إلى مَعْرِفَةِ صِحَّةِ الحَدِيْثِ وسَقَمِهِ ولأهلِ المَعْرِفَةِ بالحديثِ فِيهِ تصانيفُ كثيرةٌ.
مِنْها: مَا أُفرِدَ فِي الضُّعفاءِ: ككتابِ"الضُّعَفاءِ"للبخاريِّ، و"الضُّعفاءِ"للنَّسائيِّ، و"الضُّعفاء"للعُقَيْليِّ وغيرِها.
ومنها: فِي الثِّقاتِ فَحَسْبُ: ككتابِ"الثِّقاتِ"لأبي حاتِمِ بنِ حِبَّانَ.
ومنها: مَا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ الثِّقاتِ والضُّعفاءِ: ك"تأريخِ البُخَارِيّ"، و"تاريخُ بنُ أبي خَيْثَمَةَ"- وما أغْزَرَ فَوَائِدَهُ -، وكتابِ"الجَرْحِ والتَّعديلِ"لابنِ أبي حاتِمٍ الرَّازِيِّ [2] .
رُوِّينا عنْ صالحِ بنِ محمدٍ الحافظِ جَزَرَةَ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ تكَلَّمَ فِي الرِّجَال: شُِعبةُ ابنُ الحَجَّاجِ، ثُمَّ تَبِعَهُ يَحْيَى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، ويَحْيَى بنُ مَعِينٍ [3] . وهؤلاءِ قلتُ: يعني أنّهُ أَوَّلُ مَنْ تَصدَّى لِذلِكَ وعُنِيَ بِهِ وإلاّ فالكلامُ فيهِم [4] جَرْحًا وتَعديلًا مُتقدِّمٌ ثابتٌ عنْ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ عَنْ كثيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ والتابعينَ فمَنْ بَعْدَهم وجُوِّزَ ذَلِكَ صَونًا للشَّريعةِ ونَفْيًا للخطأِ والكَذِبِ عَنْهَا [5] .
وكما جازَ الجَرْحُ فِي الشُّهودِ جازَ فِي الرُّواةِ. وَرُوِّيتُ [6] عَنْ أبي بَكْرِ بنِ خَلاَّدٍ قَالَ: قلتُ ليَحْيَى بنِ سعيدٍ: أما تخشَى أنْ يكونَ هؤلاءِ الذينَ تركتَ حديثَهم خُصَماءَكَ عِنْدَ اللهِ يومَ القيامةِ؟ فَقَالَ: لأَنْ يكونوا خُصَمَائي أحَبَّ إليَّ مِنْ أنْ يكونَ خَصْمي رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ لي: (( لِمَ لَمْ تَذُبَّ الكَذِبَ عَنْ حديثي ) ) [7] . ورُوِّينا أَوْ بَلَغَنا أنَّ أبا
(1) المرقاة - بالفتح والكسر - الدّرجة، يقال: ترقّى في العلم، أي: رقي فيه درجةً درجة، انظر: اللسان 14/ 332.
(2) انظر كلامًا نافعًا عن هذه الكتب: بحوث في تاريخ السّنّة 90 - 123.
(3) الجامع لأخلاق الرّاوي وآداب السامع (1612) ، وراجع المحاسن 589.
(4) في (ع) والتقييد: (( فيه ) )وما أثبتناه من النسخ و (م) والشذا.
(5) راجع شرح التبصرة والتذكرة 3/ 279.
(6) في (ب) : (( روينا ) ).
(7) أورده ابن عدي بسنده في مقدمة الكامل 1/ 186، والخطيب في الكفاية: (90 ت، 44 هـ) .