من القضاة، فكانوا قضاء أمراء: بلال. وسوار، وعبيد الله، وأحمد بن رباح. وكان بلال قاضيًا بن قاض بن قاض، وقال رؤية:
فأنت يا ابن القاضيين قاض ... معتزم على الطريق ماض
وأخيرًا نصل إلى الخبرين اللذين يوردهما السيوطي في المزهر. وأول هذين الخبرين ما يرويه أبو عمرو بن سعيد بن وهب الثقفي من أنه سأل حماد أن يملي علية قصيدة لأخواله بني سعد بن مالك، فأملى عليه حماد شعرًا نسبه إلى طرفة وهو لأعشى همدان. والخبر الثاني ما يرويه سعيد بن هريم البرجمي عمن يثق به من أن أعرابيًا أنشد حمادًا قصيدة لم تعرف ولم يدر لمن هي، فاختلفت الأقوال في قائلها، فقال حماد: اجعلوها لطرفة. وكلا الخبرين في المزهر وحده، لم نقف
عليه في كتاب آخر. هذا إلى أن السيوطي متأخر. وفي هذا كله تجريح لكلا الخبرين. وقد يبدو لنا الخبر الأول صحيحًا حين نعلم أن حمادًا بكريّ الولاء، وأن طرفة شاعر بكريّ، وأن حمادًا لهذا قد ينسب إليه ما لم يقله. ولكننا نعود فنسأل: ماذا حدا بأبي عمرو بن سعيد، وخؤولته في بني سعد ابن مالك المتحدرين من بكر بن وائل، إلى أن يفضح أمر حماد صديقه وشريكه في هوى بكر، وإلى ألا يسكت عليه حين ينسب شعرًا إلى طرفة، وهو بكري، بل من بني سعد بن مالك؟ ثم إننا نعود فنسأل أيضًا: كيف ينسب حماد إلى طرفة شعرًا يعرف أبو عمرو بن سعيد وغير أبي عمرو بن سعيد أنه لأعشى همدان؟ وهل هذه هي حال حماد، الذي كان يخفي انتحاله، فيما يقول المفضل الضبي إلا على العالم الناقد؟
وأما الخبر الثاني فقد يبدو صحيحا أيضًا؛ لأن حمادًا، وهو بكري الهوى؛ نسب ما رواه الأعرابي إلى طرفة دون غيره وهو شاعر بكري. ولكننا نقول إن سعيد بن هريم البرجمي لم يصرح باسم من حدثه هذا الحديث، وفي هذا تجريح لروايته. ونقول أيضًا إن سياق القصة يوحي بأن القوم كانوا مختلفين فيمن يمكن أن يقول هذا الشعر من الشعراء الجاهليين، وأن حمادا حين جعل الشعر لطرفة كان يرى أن هذا الشعر يتفق ومذهب طرفة. فالقصة إذن، إذ صحت، لا تدل على انتحال حماد أصلا، ولكن تدل على نوع من التحقيق كان يقوم به حماد ومن معه، نوع من التحقيق يتناول مذاهب الشعراء الأقدمين وأساليبهم في صوغ الشعر لينتهي من ذلك إلى نسبة ما رواه الأعرابي إلى من قد يصح