أن يوفق إلى أكثر من ذلك. كنا نرجو توكيدًا لفكرة الوحدة الشاملة أن يعنى في قراراته بالقضاء على ثنائية التعليم التي تقضي بوجود نوعين متباعدين منه، هما التعليم في المعاهد الدينية والتعليم في المدارس المدنية، خصوصًا وقد تناول هذا الموضوع بالبحث أحد أعضائه. فإنها ثنائية ما أقساها على شعب موحد اللغة موحد العادات موحد التقاليد. ثنائية لا يعرفها شعب من الشعوب المتحضرة قد أدخلها علينا المستعمرون في غفلة الزمان بل في غفلتنا عن تقلبات الأيام، دون مراعاة لحاجتنا الملحة إلى أساس نهضات الأمم من الاتحاد والوئام، فكانت عاملًا قويًا من عوامل الفرقة الحقيقية بين المتعلمين في المعاهد الدينية والمدارس المدنية منذ فجر حياتهم التعليمية. ولن تجد هذا النوع من التفرقة في بلد آخر غير هذا البلد. فهلا تزال مصر بلد المفارقات والعجائب، وهل يصح أن نستمر على هذا الحال من السكوت على عوامل الفرقة وتركها تنخر في عظام الأمة!
فإذا كان التعليم في المرحلة الأولى بالمدارس المدنية سواء في ذلك المدرسة المقترحة أو المدارس القائمة أصبح مجانيًا كما هو الحال في المعاهد الدينية؛ وإذا كانت اللغة الأجنبية لن يبقى لها وجود في هذه المرحلة في المدارس المدنية كما هو الحال في المعاهد الدينية، وإذا كانت هذه المعاهد الدينية قد أخذت من زمن بعيد بفكرة إدخال العلوم الحديثة جميعها في مناهجها فماذا يبقى بعد ذلك من فروق تستوجب هذه الثنائية الممقوتة!
لم يعد هناك غير فارق واحد يستند عليه الأزهر وشيوخه في بقاء هذه الثنائية، ذلك هو إهمال المدارس المدنية لدراسة الدين دراسة علمية وعملية توحي إلى نفوس الأبناء بنور الروحانيات وجلالها وعظيم أثرها. إننا نعرف حقًا بأن المدارس المدنية قد فقدت هذه الروح فقدانًا تامًا، حتى وُجدت عندنا طبقة من الكتاب والأدباء وطبقة من أصحاب النفوذ والسلطان لا يقدرون للروحانيات قدرها ولا يدركون أثرها!
وإنه ليؤسفني أن اقرر أن المدنية المادية التي ساقها إلينا الغرب قد طغت على عقول هؤلاء جميعًا. غير أن الحرب الأخيرة التي استخدم فيها العلم شر استخدام لم تكن كلها شرًا، بل كان فيها بعض الخير لأنها نبهت أذهان الكثيرين من علماء الغرب واتباعهم في الشرق إلى إن ساسة العلم وقادته يجب أن يغيروا من عقلياتهم القديمة، وأن يفكروا تفكيرًا جديدًا يناسب ما اوحته هذه الحرب المدمرة إلى النفوس، ويناسب ما أوحاه النصر في