نفوس المنتصرين من غرور وجشع، وما أملاه عليهم من سخرية بالمواثيق وهزء بالعهود وقضاء على حقوق الضعفاء، وأثرة ونهم وطمع استولت كلها على نفوس الأقوياء.
نعم إن هذه الحال التي أوجدتها الحرب المدمرة وما تلاها من تصادم قوى بين الآراء الاستعمارية الجشعة التي زادت من تمكنها من النفوس سكرة النصر والشغف بالتسلط وبين الآراء الجديدة التي توحي بحرية الأمم والشعوب قد هزت الكثيرين من كتاب الغرب والشرق فنادوا بضرورة العودة إلى الدين ودراسته دراسة عملية بين جدران المدارس لأنه صمام الأمن الذي يهدئ النفوس ويردها عن الغي والظلم والطمع والفساد في الأرض حتى لا يكون طغيان الماديات سببًا في القضاء على المدنية القائمة. من أجل ذلك أنذرنا رجال التعليم في مؤتمرهم وأعلناهم بما يجره إهمال التعليم الديني والانصراف عن الروحانيات في أهداف التعليم وسياسته من استهتار بالفضائل في تكوين أخلاق النشء ومن ابتعادهم عن المثل العليا الروحية التي تربي القلوب، والتي تشيع في الصدور النور والهداية والتي تحفز النفوس أبدًا إلى الرقي والسمو وتعلو بها عن مدنسات المادة ودناياها، كما تحفزها إلى العمل أبدًا للمثل العليا للفضيلة والأخلاق الكريمة. ولكنا مع الأسف لم نجد من المؤتمرين سميعًا لأن قادة الشرق وزعماءه وكتابه لا زالوا سائرين على نسق الغرب وما يجري فيه. والغرب الآن لم يستقر على رأي، ولا زالت الآراء والأفكار تصطرع فيه اصطراعًا. وقادتنا وكتابنا في انتظار ما يتمخض عنه الصراع. ولا أدري لماذا نعيش عالة على آراء الغرب وتفكيره، في حين إننا نجاهد في طلب الاستقلال. وهل هناك استقلال سياسي إلا إذا صحبه أو سبقه استقلال فكري؟
وإذا كان مؤتمر التعليم قد اقتدى بالغرب القديم فانصرف انصرافًا عن الأخذ بجعل التعليم الديني في صلب مناهج المدارس المدنية وامتحاناتها كما يجب أن يكون، وعن العمل للقضاء على ثنائية التعليم التي رسمها المستعمرون، فإنا نرى في رجال المجلس الأعلى وهم البعيدو النظر من المفكرين ضمانًا كافيًا لبحث هذين الموضوعين الجليلين بحثًا حرًا غير متأثر بالسياسة القديمة في سبيل وحدة هذا الشعب وتقارب أفكار أبنائه وتعاونهم وانسجامهم في اتجاهاتهم المختلفة. أما الأزهر ورجاله على رأسهم فضيلة الأستاذ الأكبر وهو من أعلام الأدب وقادة الفكر فبعيد عن الظن إنهم يعارضون في فكرة التوحيد في