نوعًا تدخله كل عناصر الطحين، وبعضها يكون بين هذه وتلك. ومع أنها كلها مصنوعة من القمح أو من بعض أجزائه دون الأخرى فإن لكل منها تأثيرًا مختلفًا في تغذية الجسم كما سنرى فيما بعد.
دخلت مخبزًا من المخابز الإفرنجية أطلب شيئًا معينًا فشاهدت أرغفة من الخبز الأبيض الجميل مرتبة بجانب بعضها بشكل يثير الشهية ويغري بالشراء، ولا سيما بعد أن احتجبت عنا طوال مدة الحرب. فابتعت شيئًا منها وحملته إلى بيتي وهناك أكلناه في شراهة ولذة عجيبتين. ولم لا؟ إن نظافتها وطعمها ورائحتها لتبرر ذلك وتدفع إليه. وعند ذلك ذكرت رغيفنا الذي نأكله الآن بعد أن وضعت الحرب أوزارها وما به من عيوب وشوائب تجعل المرء يأكله في تحفظ، ثم ذكرت رغيفنا الذي كنا نأكله طول سني الحرب - ذلك الرغيف المخيف الذي كان يصنع من القمح مخلوطًا بالذرة أو الأرز، وبكل ما يمكن أن يختلط به من ردادة وسوس وطين وحصى وخيوط وحشائش أخرى تطحن معه وتعجن وتخبز، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله والذين كانوا يصنعونه، ولا يعلمه أحد ممن يأكلونه، حتى إذا خرجت منه أرغفة جاءت بشعة تنبو عنها العين وتعافها نفس الحيوان فما بالك بنفس الإنسان. نعم ذكرت ذلك الرغيف الذي كنت إذا اقتطعت منه لقمة أحاول مضغها وازدرادها لم أستطع فألفظها من فمي محنقًا مغضبًا. ذكرت ذلك مما يذكره الكثرة من هذا الشعب المسكين الذي يخيل إلى أنه أذل بفرض هذا الرغيف البغيض الملعون عليه فرضًا. ولعمرك لا يمكن أن يستذل شعب بأكثر من أن يلقى إليه برغيف هذه بعض صفاته. وتزداد بشاعة هذا الذل إذا علمنا أنه ضرب على شعب مصر صاحب أخصب أرض في العالم، الذي تحترف كثرة أهله الزراعة والذي أرغم على زرع 60 بالمائة من أرضه حبوبًا ومع ذلك لم يستطع أن يأكل رغيفًا نظيفًا، ذكرت ذلك وذكرت معه دوي الشكاوي التي جأر الناس بها على غير جدوى، وذكرت الكثيرين ممًا أصابهم السوء وأنتابهم العلل من جراء سوط العذاب الذي سيطوا سبه في غير شفقة أو رحمة. ذكرت كل ذلك وكثيرًا غيره ثم هززت رأسي أسى وقلت عسى أن يكون هذا بعض الثمن الذي اقتضاه نصر الديمقراطية!
وأخيرًا انكشفت الغمة وعاد الرغيف الأبيض - وقد علت مكانته وقدر الناس قيمته - وها نحن أولاء نأكل منه شبع بطوننا، واختفى الرغيف الأسود أو كاد. ولكن مهلا فما الأول