أحضروا الشاب ومن كان معه، وحققوا واستنبطوا وهددوا فلم يسعه إلا الإقرار، ولم يسعهم إلا الشهادة، وكتب الضبط بالحادث ودعي الأخ الذي دفع المال.
فلما حضر وسمع الحديث شحب لونه حتى كأنه قد نزف دمه كله، وانقلب وجهه فصار كوجوه الموتى، ودنا من الشاب وهو يرتجف كمن مسته قشعريرة، وقال له بصوت رهيب مخيف لا يشبه أصوات البشر:
-ألا تعرفها؟ ألم يكن بينك وبينها شيء؟
قال الشاب فزعًا:
-لا والله، لا والله، ما كلمتها في عمري ولا مسستها، وهذه ليراتك. . .
-قال: ليراتي يا ابن الكلب، بعد ما ذبحت البنت البريئة؟
وانقلبت عيناه في أم رأسه، وصار مثل الوحش الهائج، وتلفت حوله فوجد قضيب حديد يتخذونه مزلاجًا. . . فتناوله ونزل على الشاب ضربًا به على رأسه، وهم جميعًا يحاولون إمساكه فلا يقدرون عليه، حتى سقط الشاب ميتًا عند قدميه وسط بركة من الدم، فداس على عنقه وبصق عليه، ثم ارتخت يداه بالقضيب، وقال:
-أسلم نفسي! أنا ذبحت أختي وقتلت هذا الشاب!
وارتمى على المقعد ينتظر حكم المحكمة عليه في الدنيا، وحكم الله عليه وعلى المحكمة في الآخرة. . .
(دمشق)
علي الطنطاوي