الملكة، وبعد أن حياها تحية رقيقة مفعمة بالاحترام والإكبار، أصعدها إلى مركبته وأجلسها إلى يمينه كما تقتضي أرقى مراتب الذوق واللياقة. ولما وصلوا إلى العاصمة وضع ذلك الملك الكريم تحت تصرف ضيوفه قصر سان جيرمان، وهو ثاني قصر في الدولة بعد قصر فرساي، ثم بذل كل ما في وسعه لإسعادهما وللحيلولة بينهما وبين الشعور بغيبة أدنى الكمالات. وفي أثناء رحلة الملكة إلى باريس ظفر زوجها بعد عناء شديد بنعمة الوصول إلى الساحل الفرنسي.
وفي اليوم السابع من يناير وصل بدوره إلى ضاحية سان جيرمان حيث كان لويس الرابع عشر في انتظاره. وعندما أعلن قدومه أسرع لاستقباله وتعانقا عناقًا مؤثرًا أحس أثناءه ملك إنجلترا بالحقيقة المرة وقدر منزلته الراهنة تجاه أعظم ملوك الدنيا في عصره، فانحنى حتى ركبتي لويس الرابع عشر، ولكن هذا الأخير تأثر كثيرًا وأبى أن يعامله إلا معاملة الند للند، وبعد أن تسارّا مليًا اقتاده إلى حيث تقيم قرينته وولده ثم ودعه قائلًا له: (هذا هو منزلك تستقبلني فيه كما أستقبلك في فرساي) . ولم يكتف ذلك الملك الجليل بهذه البشاشة الفائقة، وإنما خصص الأيام التي تلت يوم قدوم ضيفه الكبير للاحتفالات بمقدمه والحفاوة بشخصيته، وليس ذلك كل شيء، بل إنه أمر أن يعامل ذلك الملك المخلوع في البلاط الفرنسي معاملة ملك على عرشه. وما أبهى ما تحدثنا به ما دام دي سيفينييه في تعليقها على هذه الحادثة إذ تقول: (إن الملك قد سلك بازاء جلالتي ملكي الإنجليز مسلكًا إلهيًا بحتًا، أفليس من أوصاف ذي القدرة والجلال إعانة ملك طريد لفظته بلاده، وغدر به أصدقاؤه وهجره أنصاره؟ لا شك أن نفسية الملك العالية قد راقها أن تقوم بهذا الدور العظيم) .
وهكذا بقي جاك الثاني في ضيافة ملك فرنسا عزيزًا محترمًا حتى فارق الحياة في سنة 1702.
وأخيرًا ألست ترى معنا أن وجه الشبه بين هذين الملكين: فاروق الأول ولويس الرابع عشر قوى متين إلى حد يلفت النظر ويسترعي الانتباه.
محمد غلاب