وإن هذا الفراش خشن بالنسبة إليك، ولكنه مع الأسف أحسن ما عندنا في هذه البلاد!
فابتسمت له ابتسامة رقيقة وقلت:
-إن هذا لا يهمني مطلقًا، ولن يؤثر ألبته في نومي ما دمت أشعر بحاجة ملحة إلى الراحة بعد هذه الرحلة المضنية:
ونظر رفيقي إلى الفراش مرة أخرى متمعنًا وقال:
-لقد كان آخر من نام في هذا الفراش رجل هولاندي. ولهذا الرجل قصة عجيبة مؤلمة. ولا أجد عندي مانعًا من سردها عليك بشرط أن نسمح لي أولًا بذلك حتى لا يكون في هذا مضايقة لك.
وبالرغم من أنني كنت في حاجة شديدة إلى النوم كما قلت، إلا أن اللهجة التي مهد بها رفيقي لهذه القصة جعلتني أتشوق أسماعها منه، ولذلك لم ألبث أن قلت:
-لا بأس يا صاحبي. . . أسرد على قصتك وكلي آذان صاغية لك.
فجلس رفيقي على حافة الفراش وجلست قبالته ثم استجمع شتات أفكاره وقال ارتسمت على جبينه آيات التفكير العميق:
-لقد جاء هذا الرجل إلى هنا على نفس السفينة التي أتيت عليها، وقد حضر إلى مكتبي مباشرة وسألني عما إذا كنت أعرف فندقًا في تلك البلدة يمكنه أن يقضي فيه ليلته، فلما أخبرته بأنه لا توجد فنادق في تلك البلدة على الإطلاق هز رأسه متأسفًا وهم بالخروج من عندي بعد أن حياني تحية رقيقة مؤدبة. ولكني لم ألبث أن أشفقت عليه فناديته وعرضت عليه أن يبيت في مسكني، فقبل ذلك بعد تردد قليل. وكان هذا الرجل الهولاندي يحمل في يده قيثارة (كمنجة) صغيرة غالية الثمن، فلما رآني أحدق النظر فيها بإمعان ابتسم لي وقال (إن هذه القيثارة هي كلُّ ما أحضرته معي في تلك الرحلة، وهو تسليتي الوحيدة في أوقات فراغي الممل، ولذلك تراني أعزها وأفضل حملها معي في كلُّ مكان أذهب إليه.)
وكان هذا الرجل ذا وجه شاحب نحيل، ورأس مستدير يعلوه شعر أسود كث، وعينين رماديتين تدل نظراتهما القلقة المتحيرة على ما يعانيه صاحبهما من خوف واضطراب، أما جسمه فكان هزيلًا مفرطًا في الطول بدرجة غير عادية. وكان يلوح عليه أنه تجاوز الأربعين بقليل، وقد دلتني ملامح وجهه الجامدة على ما به من مرض نفساني غريب، إذ