وذرفت من عينه دمعة، فأسرع فمسحها وتلفت يخشى أن يراه أحد وهو يبكي، قد كان أشد شيء عليه أن يسخر منه اليوم عباده بالأمس، فلم ير أحدًا فاطمأن وعاد يستعرض (فلم) حياته على مهل، فرأى أول فصل في كتاب مجده، وأول صفحة من شعر بؤسه. . .
وكان ذلك في يوم بارد من أيام الشتاء، أقفرت فيه الأدوية وسدت المسالك، وبدت الدنيا كلها في ملاءة بيضاء من الثلج، ورجع الرعاة إلى القرية، وعكف الناس على البيوت، وهبط فيه القرية شيخ علوي ذكي مشعبذ، فمر به فرآه مغمى عليه، وكان به داء الصرع. . . فحصاه وأخذه معه، فعلمه فنون الشعوذة، وأقنعه أنه المهدي المنتظر، وطفق يمخرق به على العامة من أهل الجبل، وأهل الجبل كلهم من العامة، وهم أجهل من الأنعام، وأوحش من الوحوش، يفكرون بالله ويؤمنون بالمهدي، وينكرون الوحدانية ويقولون بالتقمص، ويتسلون بالقتل، ويدينون بالنهب، ويتبعون شريعة الذئاب، فسرعان ما آمنوا به وصدقوه والتفوا حوله، كان ذلك سنة 1933.
ويتغير المشهد فيراه وقد قبض عليه وعلى شيخه وحوكما وسجنا، ثم نفيا من الأرض. . . ثم يعود وكله حنق على الشيخ وعلى الحكومة وعلى الفرنسيين وعلى الدنيا كلها، فبدأ بالشيخ فقتله، وأراد أن يمد يده إلى الفرنسيين فإذا هم يمدون إليه أيديهم يعرضون عليه المال والعتاد والألوهية في الجبل على أن يكون عبدًا لهم. . .
فصار المهدي ربًا. . .
وكر الفلم فرأى هذه الليلة التي أعلن فيها ربوبين ماثلة أمامه: هذا هو القائد الفرنسي، يزوره متذللًا خاشعًا ويقول لقومه: (هذا هو ربنا وربكم) ، ثم يطلب إله أن يطلع الشمس في نصف الليل، فيأخذ الرب الجديد مصباحًا في يده فيلوح به، فيرى الجبليون الشمس ساطعة على الجبل الغربي، أطلعها الجنود الفرنسيون بالأنوار الكاشفة، و (البطاريات) القوية، لما رأوا المصباح يتحرك.
وتتابع الصور، أمام عينيه، فيرى (الرب) يتخذ أنبياء وملائكة، ويتزوج النساء بالعشرات ويأخذ ما يطيب له من الأراضي، ومن يستحلي من البنات، ويقتل ويضرب ويحبس، حتى إذا انتهت الحرب، وأحس الفرنسيون أن أجلهم قد دنا، أقبلوا عليه يحالفونه أن يمدوه بالمال والسلاح، ويجعلوه ملكا على الشام كله كما يجعلوه ربًا على الجبل، وتمت المحالفة، وصار