لقد مضى أمس الأول. ثم مضى أمس. ونحن هؤلاء اليوم. فلم لا تجيء يا توت؟
إن قد مت! أعرف ذلك. ولكن! لم لا تجيء؟!
اليوم هو الجمعة. وأنا هنا في الدار - يا توت - ألا تعلم؟
لقد ضحوت في النوم، فمالك لم تجيء لتوقظني بهمهمتك؟ مالك لا تحاول القفز إلى سريري، مالك لا تزوم محتجًا لأنني لم أستمع إلى ندائك؟ مالك لا تملأ الحجرة نباحًا وقد يئست من إصغائي إليك، فإذا تحركت حركة واحدة عدت تزق فرحًا وابتهاجًا بصوتك الودود الجميل؟
أم لعلك جئت وهمهمت واحتججت ويئست، ثم انصرفت - لتعود - إلى المطبخ، لتتناول نصيبك اليومي من العظام وقد أحضرته لك في الميعاد صديقتك - رقية - التي تحبها وتحبك، وتلاعبها وتلاعبك، وتملأ أوقات فراغها وأوقات خدمتها كذلك مرحًا ووثبًا وصياحًا وزياطًا وحيوية، كما تملأ حياة الدار جميعًا!
لا. لست في المطبخ. فها هي ذي شقيقتي هناك وحيدة، ساهمة، كئيبة، مفردة، موحشة. . . هي لا تحاول اليوم أن تحسم الخلافات التي تقع بينك وبين (سوسو) في توزيع الجلد والعظام وزوائد اللحوم. أنت لا ترفع صوتك احتجاجًا لأن زميلك قد عدا على نصيبك، وهو لا يموء صارخًا لأنك عدوت على نصيبه. إنه هادئ ساكن. أم لعله حزين!
ألا تكون في الحجرة الأخرى - يا توت - تعابث صديقتك الأخرى شقيقتي الصغيرة؟ تشد منها كرة الخيط المدلاة وتختفي بها تحت السرير فلا تحس بك ولا بها إلا أن تشد خيطها فلا ينشد فتعلن سخطها عليك، وتحذيرها إياك. حتى إذا نظرت إلى عينيك الجميلتين، ورأت فيهما كل معاني الشيطنة والبراءة، داعبتك باللفظ الذي تعرف، وبالصوت الذي تفهم، وبالإيماءة التي تجيب؟
هأنذا يا توت في حجرة المكتب. . . يا توت! تعال يا توت! ألا تجيء أيها الشيطان الصغير؟ تعال فالشمس التي تحبها تملأ الحجرة، والورق الذي تهيم به ينتظرك للشد والتمزيق.
أوه! رحمتك يا الله!
إن آثار فنجانة القهوة التي سكبت من يدي على المكتب، وأنا أضطرب للنبأ الأليم، نبأ