وعن له أن يستعرض - وهو جالس - رحلة حياته فهاله أنه احتمل صنوف الهوان والذل، والعسف الجور!
وأحس بالحزن ينوش صدره، والألم يهصر قلبه. . . وتزاحمت الصور في رأسه وبرزت من بينها صورة أمه تتكلم فيها نظراتها بأن آمالها خابت فيه
ثم ومضت في ذهنه لحظات السعادة الموهوبة التي استشعرها مرة يتيمة في هدأة حب عابر. فأغمض عينيه على الذكرى الحبيبة يلتذ مقامها فما أسرع أن خبت في الماضي البعيد!
وجثم على صدره ألم الحرمان. . . الحرمان المروع. . . وعندئذ جرت على شفتيه بسمة مريرة. وهانت لديه الحياة، وود لو عاجله الموت، وتمتم:
إن من الموهوبين من لم يعرف الناس أقدارهم إلا بعد مماتهم، وأنهم كانوا في حياتهم مضطهدين، محرومين. فلعلك أنت يا محمد أن يكتب لك الخلود بعد وفاتك. . .
.. . وهدأ عند هذه الخاطرة وسكن إليها، وأخرج القرطاس والقلم من جيبه وسطر عنوانًا لقصيدة جديدة. . . (الشاعر الخالد) وجرى قلمه على الصفحة البيضاء كأنه ريشة رسام مفتن. ولما فرغ من تدوين أشعاره ونهض كانت حمرة الشفق قد انتشرت في السماء. . .
وكانت نظراته وهو يدرج في الطريق عائدًا إلى بيته قلقة مذعورة لا تثبت على شيء!
وكان ذهنه في مثل نظراته من الغموض والشرود. . فراح يبرق بشتى ألوان التفكير.
وانطلق يضحك في أعماق نفسه، من وجوده هو، بل من وجود الناس أجمعين. فما هي الحكمة الكبرى في خلق هذه الجموع الآدمية؟. . . أليبقوا سنوات هي في عمر الزمان لحظات قصار، ثم تبتلعهم أمهم الأرض. وكأنهم لم يدرجوا عليها يومًا. بدا له كل شيء على حقيقته، وهمّ وقبض الريح. ماذا جناه من حياته؟ لا شيء!. .
ولد، وتألم، ولن يلبث أن يمضي على الدنيا كآلاف غيره مشيعًا بحزن مصطنع، وألم مفتعل!. . .
فمن العدم أقبل. . وإلى العدم يعود. وتبقى ذكراه بين الناس تبقى رسالته التي ضمنها أشعاره تلك التي لم يقدر لأحد أن يطلع عليها حتى اليوم. . من يدري؟. . .
لعل أحدًا أن يقف عليها، ولعل كاتبًا منصفًا أن يكتب عنه وسمه (بالشاعر العظيم) . . .