عني حبه للموسيقى، ولكنني عرفت ولعه بها، ولو لم يكن ضابطًا لكان موسيقارًا عظيمًا! ولما كفت ناديا عن الكتابة. تذكرته وهو يناغيها بكلمات الحب والغرام. . . وفجأة شعرت أن نفسها تكتب إلى حبيبها (جرونسدف) الطالب (إنه طالب ماهر، وكان يسهر معنا بالأمس، وكنا سعيدين حقًا) ثم مدت ذراعيها على المنضدة وأحنت رأسها، فتذكرت أن جرونسدف يحبها وله الحق أن ينال في كتابتها ما هو أهل له مثل جورني. وشعرت أن طيفًا بدأ يداعب خيالها فأحست بسرور لم تعهده قبلًا وانثالت عليها الذكريات بشدة، وقد سرى هذا السرور من صدرها إلى يديها ورجليها، فكأن نسيمًا عليلًا داعبها وحرك شعرها فارتجفت ذراعاها فضحكت ضحكة هادئة، فاهتزت المنضدة والمصباح كأنهما يشاركانها الفرح!! وكانت الدموع تتساقط على الرسالة. . . ثم بدأت الذكريات تتوالى عليها كرة أخرى عن الطالب وحبه لها، فتمددت هذه الذكريات في رأسها وتغلبت عليها وأصبحت موزعة بين جميع الأشياء، فبينما هي تفكر في أمها إذ بها تفكر في الشارع وفي قلمها وفي البيانو، وكانت سعيدة في تفكيرها ووجدت أن كل ما يخطر على بالها حسن وجميل! وكانت تشعر أن السعادة تناديها قائلة: (ليس هذا كل شئ. . بل ستشعرين بسعادة أكثر في الغد، سيهل الربيع والصيف وسيذهب الحبيبان معك إلى(جوربكي) بصحبة أمك، وسيزورك جورني في عطلته، ويسير معك في الحديقة فينتعش حبكما سيزورك جرونسدف وستلعبان معًا لعبة الكركت ويقص عليك قصصه الحلوة اللذيذة). . .
وعندما وجدت نفسها تسير في الحديقة وتخيلت جورني يسير معها في ظلمة الليل، ترعاهما النجوم وتحجبهما الأشجار عن أعين العذال! فضحكت لهذه التخيلات الجميلة وتمنت لو تحققت في الحال. ثم عادت إلى فراشها ولم تدر كيف توزع سرورها وفرحها بالقسطاس فقد تغلبت عليها! فنظرت إلى تمثال المسيح المعلق في صدر غرفتها وقالت: (يا إلهي. . . يا إلهي، كم أقاسي!) . . .
(القدس)
جمال الدين الحجازي