هذه الباقة التي اقتطفتها من حديقة الأستاذ الزيات إلى الألوف من قراء (الرسالة) الذين لم تتح لهم فرصة قراءة هذا الكتاب الفريد الذي يقع في أربعمائة صفحة قسمت إلى تسعة فصول، هذه زبدتها بعناوينها مرتبة بترتيبها في الكتاب.
1 -ثورة المصلح وغيرة العادل:
أصدر سعد أحكامًا كثيرة في دعاوي رفعت إليه، وإنها لأحكام خالدة تجلت فيها روح الثائر المصلح والحاكم العادل، أحكام تملأك إعجابا وتقديرًا، أحكام كل ما فيها ينبئ (عن قريحة قانونية ذات مرونة ولباقة، ونفس شديدة الاستجابة لأوامر العدل المطلق ونواهيه) ، وأن الحكم الواحد منها ليخدم (أغراضا اجتماعية ووطنية كبيرة قبل أن يخدم صاحب حق بإيتائه حقه: يخدم القضاء بما يؤكد ويعلن استقلاله، ويخدم العدالة بما يمهد أمامها من طريق أفسده الشوك، ويخدم التشريع بما يوضح له من نقصه وسخفه، ويخدم الفقه بترحيب آفاقه وتسديد خطاه في سبيل العدل والمعقول) ؛ فإن أردت الدليل على هذا الكلام فاسمع ما يقوله سعد في أحد أحكامه (. . . لا يمكن أن يكون المراد بهذه الأعمال الإجراءات الاستبدادية المخالفة للعدل والقانون والمضرة بحقوق الأفراد وليست فيها مصلحة عامة للناس، لأن ذلك لا ينطبق بوجه من الوجوه على مبدأ الحكومات العادلة، ولا يصح أن تتضمنه شرائعها) !
وسعد الذي كان يطبق القانون على الناس لم يكن ينظر إلى القانون كنصوص مجردة واجبة التطبيق، بل كان ينظر إلى القانون كوسيلة غايتها (إثبات جوهر الحق والعدل، ونفي الغش والحيلة والغضب، وأن مساره هذا لينتظم أحكامه) جميعًا؛ وهو إذا حاول مرة أن يقضي على حيلة تسلب شخصًا حقا له، رغب إلى القانون ألا يحاول حماية المحتال لأنه من العار (أن يمنح القانون حقًا ثم يجيز الحيلة لإسقاطه) .
قد كان سعد يصدر من وراء قوس القضاء أحكاما جديرة بالخلود لأنها كانت (تستخلص الحق من ركام الإنكار واللجج) وإن هي اصطدمت يومًا بصلابة القانون وجدتها (قد لانت شيئًا تحت معول بناء حازم، في حزمه رفق، وفي رفقه عدل، وفي هدمه خلق وإيحاء وتجديد وتشييد) . .
إن حكمًا يحوي هذه الفقرات (. . . أن وقوع مثل هذه التصرفات بحجة إظهار الفاعل أو كشف الحقيقة، أشد خطرًا على النظام العام من خفاء الجاني أو تخليصه من العقاب، لأنه لا