ثقافة وميزات أدبية عظيمة، تلمح الإشارة إليها، وتعداد بعضها في كتاب الأستاذ الزيات، منثورة هنا وهناك، خلال دراسته لأحكام صدرت عن الفضاء الأهلي في مصر، يوم كان سعد قاضيًا من قضاته؛ إن قرأتها فسوف (تقطع في غير تردد أو تحفظ بأنها أحكام سعد لحمة وسدى، ودمًا ولحمًا، وفكرًا وأداء، المنطق الجبار الآسر، والحجة الوثابة تقفز - كجند يلتف - لتقطع الطريق على المناظر؛ واللفظ المشرف في تركيب مصقول، والأداء المحكم لا يشتكي قصر منه ولا طول. . وهذه التعبيرات المقبوسة من علم المنطق. . وهذا الجمال البياني الذي يستقيم على الطبع، فلا تشعر فيه بالآم النحت والسجع، وعناء(الفاعل) المتصبب تحت نير الصخور، يحمل نفسه فوق ما يطيق، ليزهو بحمله ويسعد أذنيه المفرورتين بكلمة من النظارة قد تكون غباء، وقد تكون رياء، أو قد تساق تهكما، أو قد تساق رثاء).
أما من يحب سماع صوت سعد فليقرأ أحكامه ليسمع (صوت الكاتب صاحب الأسلوب القوي الآسر) وأنا زعيم أنه، وإن جهل صاحبها، سيحكم، إن كان يعرف سعدًا، إنها من بناته (فإن شمائله ظاهرة فيها ظهورًا قويًا: منطق قوي يعتمد على قياس المشابهة وقياس الأولوية. . . وصياغة عربية تضامنت أجزاؤها) ، لينظر في هذه الأحكام من يجب أن يعرف سعدًا ليرى (أسلوبه المتأنق، وبلاغته المخزونة) بل ليرى (ذوقه السليم) ليرى (وضوح الديباجة ونصاعة الأراء) (الأداء العربي. . . والأسلوب المحكم الدقيق) ليقرأ تلك الحيثيات التي خط الأستاذ الزيات تحتها فإنها (تكشف عن قوة العارضة في الجدال) حينًا، وتكشف عن (روح سعد المتهكمة وسخريته الحلوة حين تطمئن نفسه) أحيانًا أخرى؛ إنها حيثيات (حكم مسهب، قوي التسبيب، محكم التقسيم) .
ليقرأ معي، من يحب أن يعرف سعدًا الأديب، هذه الفقرة (إنهن وارثات ضعيفات، وإنها ابنية حقير أشتات، والدائنون تجار أخشاب، يخيل الثراء في أوصافهم) ولاشك أنك أيها القارئ لها ألممت منها، ومنها وحدها، بموضوع الدعوى، وأهم الدفوع فيها، وتجلت لك فيها روح الحاكم وقناعته، بل ما سيحكم به عقبها إنها فقرة كتبها أديب عظيم، لقد صور لنا في كلماتها القليلة العدد قضية لا يستهان بعدد صفحاتها وأهميتها، ألا تعتقد معي، أيها القارئ الكريم، إن كاتبها (مخرج بارع دقيق) ؟! عد إى قراءتها، واقرأ ما قبلها وما بعدها