فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 11608 من 30278

تقاطرت التلميذات إلى الفصل متشاغلات بالضحك والمزاح، وفجأة قُرع الباب قرعًا خفيفًا؛ إنّها فاطمة معلّمة التربية الإسلامية، أحبّ وجهها المنير وقلبها الطّيب المرح، هي أوّل من ابتسم في وجهي في هذه المدرسة.

اجتمعت الطّالبات في الفصل وبدأ الدرس بتلاوة بعض الآيات المؤثرة ولكن فجأة ينتزعني صوت من أعماق إنصاتي، أدقق السمع جيدًا، إنه نشيج لا يكاد يسمع، أطلقت لبصري العنان للبحث عن مصدر الصوت؛ إنّها طالبة تجلس في المقعد السابع أمامي تدعى أفنان، لم يحس أحد بشيء بعد ذلك تم تفسير الآية وبذلك انتهى الدرس لهذا اليوم.

أفنان .. اسم ظل بذاكرتي له ذكرى جميلة جدّا .. أفنان يا ترى ما قصّتها!!

احتفظت بهذا السر لنفسي وأغلقت عليه قلبي وضيّعت مفتاحه، بدأت أتطقس عن حال تلك التلميذة التي لفتت انتباهي وحازت على إعجابي بكل فخر ولكن لا أسمع إلاّ كلمة واحدة هي (أفنان لم تعد كما كانت) .. (لقد تغيّرت أفنان عمّا كانت عليه) .. كلمات لم أفهم معناها وبقيت في خاطري لها أثر، يا ترى ما قصّتها!!

كانت هذه الأفكار كالدّوامة تدور في رأسي وأتخلّص منها بالاستعاذة دائمًا من الشيطان الرّجيم، لا بد من اليوم الذي أتعرّف فيه على أفنان ويال المفاجأة لقد كان هذا اليوم قريبًا .. قريبًا جدًا .. في حصّة التربية البدنية، تلاشت أفنان من أمامي وانزوت في زاوية في الملعب تقلّب صفحات مصحف صغير .. تبادرت الأسئلة في ذهني سؤال يجذبه سؤال المهم بدأت التدريبات الرّياضيّة وعرفت فيما بعد أنّ أفنان ممنوعة من التدريبات الرّياضيّة طبيًّا ولكن لم أعرف ما هو السبب الطّبيّ، ظلّ هذا السؤال يخيم في نفسي حتى تعثّرت قدمي ووقعت أرضًا .. هل أصبت يا علياء؟ هل أُصبت؟ تعالت الأصوات من حولي ..

أذنت لي المدّرسة بالجلوس في أيّ مكان لأستريح .. اخترت مكانًا يقرب مسافة من عزيزتي أفنان .. وبينما أنا أخرج زفرات منهكة وإذا بسمعي يتلذذ بتلاوة كلمات من القرآن الكريم ذات صوت رائع .. أحسست بشيء يجذبني لأقترب من مصدرها، أحببت أن أكلمها ولكن الكلمات منّي لم تخرج، فجرفها سيل الإصرار والعزم إلى الأمام: (أفنان صوتك جميلٌ جدًا)

ساد في المكان هدوءٌ عجيب لم أعقب بعده بكلمة واحدة .. شقت تلك الكلمات ذلك السّكون الغامض بصوت من الحسرة والألم، ولكنّه صوت المذنبين العاصين، نظرت لعينيها التي ترقرقت بالدموع، ولاحت الدّموع بعيني ومن منّا ليس مذنبًا يا عزيزتي!! هاجت بالبكاء الطّاهر (ولكن أنا أختلف عنكم أنا أفنان التي أعدّت نفسها لتكون من أهل النّار فهل يغفر لها؟؟)

تذكرت ضعفي أمام ربّي وتذكّرت ذلك النشيج الصّادق ورأيت تلك العينين الدّامعتين، خرجت من قلبي كلمات قوية شقّت صخور الألم بقلبها الصّغير (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذّنوب جميعًا) خرجت هذه الكلمات صافية نقية كنبع الماء من قلبي ليروي قلبًا قد تعطّش لرحمة الله، اقتربت أفنان منّي وضمّتني لصدرها الدّافئ الحزين، أحسست بأنّ قصة تدور بهذا القلب قد أغلقت الأبواب عليها فلا تستطيع الخروج، ضمَمْتها لي بقوّة وأنا أقول لها ما أجمل الحياة في ظلّ الأمل بالله، أخذت يدي وهي تقول أنت التي أبحث عنها منذ زمن .. أنت .. لقد وجدتك أخيرًا .. الحمد لله .. الحمد لله ...

تعاهدت القلوب قبل الألسنة على الأخوّة ومتابعة المسير إلى الله، انتبهت إلى يدها وهي تساعدني للقيام، آه لقد نسيت آلامي عندما عرفت ألم أختي، لقد انتهت الحصة وحان وقت الانصراف، أمسكت بيدها الداّفئة واتكأْتُ عليها، حدقت بنا الأبصار باستغرابٍ عجيب ما أسرع هذه الصّداقة!!

مشينا في الطّريق معًا لا نبالي بما يقوله عنّا الآخرون وظلّت هذه الصّداقة (بالأحرى هي أخوّة في الله) تزداد يومًا بعد يوم وساعة بعد ساعة، أصبحت أخوّتنا تدفعنا دائمًا إلى الأمام في كل شيء: الطاعة في الله تعالى، في بر الوالدين، في الصبر على المصيبة، في العمل لله، كانت الأيّام جميلة برفقة أختي أفنان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت