المسئول المكلف من عدّهم التكليف فرعا عن العدل الإلهي، ويمكن أن نفهم هذه الخلفية من تفسير الزمخشري لقوله تعالى: {فَمََا كََانَ اللََّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9] وهم عاد وثمود: «فما تدميره إياهم ظلما لهم لأن حاله منافية للظلم، ولكنّهم ظلموا أنفسهم حيث عملوا ما أوجب تدميرهم» [1] ، وإذا كان التكليف عندهم عقليا قبل أن يكون شرعيا [2] فإنه «إعلام الغير في أنّ له أن يفعل أو لا يفعل نفعا أو دفع ضرر مع مشقّة تلحقه في ذلك على حدّ لا يبلغ به حد الإلجاء، ولا بد من هذه الشرائط حتى لو انخرم شرط منها فسد الحد» [3]
يقيمونه على ما يصح السؤال عنه أو على إمكانية الفعل أو عدمه، وعلى أن المشقة في الأمر لا ينبغي أن تصل إلى حدّ الإلجاء إذ لا يجوز أن تلغي إمكانية الاختيار وفعل الضدّين. ولا يصح أن يكون الفعل المكلف أداؤه أحادي الاتجاه أو واقعا على وجه واحد لا غير. ويعكس هذا الربط الواضح بين كون الإنسان مكلفا وكونه مسئولا، فلكي تصبح المسئولية لا بدّ من إمكانية الاختيار وخلو فعل التكليف من أحادية الاتجاه.
لقد دلّ فهمهم المسئولية والتكليف في إطار العدل الإلهي على تحديد نظرتهم لحقيقة الوجود الإنساني وعلاقته بالخالق، وعلى قولهم بالتلازم بين التكليف المسئولية واستحقاق الحكم مقابل إمكانية فعل الواجب أو عدم فعله. ويمثل هذا جوهر المعنى الأخلاقي الذي لا يكون الفاعل فيه مسئولا إلا عما تقرر فيه اختياره الحر حتى يستوجب ما يستحقه من ثواب أو عقاب [4] .
(1) الكشاف، ج 3، ص 216.
(2) ذكر الشهرستاني للمردار أبي موسى عيسى بن صبيح (توفي في حدود 226هـ) قوله: «إن العقل يوجب معرفة الله تعالى بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع» : الملل والنحل، ج 1، ص 9184، وقال الزمخشري في الآية 52من سورة الشورى: «والأنبياء لا يجوز عليهم إذا عقلوا وتمكنوا من النظر والاستدلال أن يخطئهم الإيمان بالله وتوحيده ويجب أن يكونوا معصومين من ارتكاب الكبائر ومن الصغائر التي فيها تنفير قبل المبعث وبعده، فكيف لا يعصمون من الكفر؟ قلت: الإيمان اسم يتناول أشياء بعضها الطريق إليه العقل، وبعضها الطريق إليه السمع، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل، وذاك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي» الكشاف.
(3) القاضي عبد الجبار، المجموع في المحيط بالتكليف، تحقيق الأب يوسف هوين، بيروت، المطبعة الكائولوكية، 1965م، ج 1، ص 1.
(4) انظر د. سميح دغيم، فلسفة القدر في فكر المعتلة، ص 305، 306.