فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 451

وهكذا تجد الاختيار أساس التكليف [1] عند المعتزلة يرتبط كما ذكرنا قبل بالعدل الإلهي الذي «قد يذكر ويراد به الفعل، وقد يذكر ويراد به الفاعل» [2] . والعدل الإلهي عند استعماله في الفعل أو إذا وصف به الفعل إنما «هو توفير حق الغير واستيفاء الحق منه» [3] ويذكر بعض الدارسين أن ارتباط ذلك بالمسألة الخلقية وجهه أن نوفر حق الإنسان بقدرته على الاختيار ليصح سؤاله لم فعل هذا ولم يفعل ذاك؟ فالفاعل يسأل عن قدر الفعل الواقع منه على وجه هو اختيار من بين أوجه عدّة يمكن أن يقع عليها. أما معنى استيفاء الحق منه فيكون بإثابته على ما حسن اختياره أو بعقابه على ما أساءه [4] .

أما حد العدل الإلهي في الفاعل في اصطلاح المعتزلة فيذكره القاضي عبد الجبار «فأما إذا وصف به الفاعل فعلى طريق المبالغة كقولهم للصائم صوم ونحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنه عدل حكيم: فالمراد به أنه لا يفعل القبيح أو لا يختاره ولا يخل بما هو واجب عليه، وأن أفعاله كلها حسنة» [5] . ولما كان السؤال لا يصح بإلغاء الاختيار وبإلجاء المسئول لأن في هذا قبحا، والله جل وعز لا يفعل القبيح فإنه ترتب عليه أن لا سؤال ما لم تكن حرية المسئول. يدلنا على هذا من المشاهدة أن الواحد منا إذا علم القبيح ووجه قبحه واستغناءه عنه لا يختاره ولا يفعله. وبما أن طرق الأدلة لا تختلف شاهدا وغائبا [6] اقتضى ذلك أن لا يفعل الله القبيح ولا يسأل الإنسان إلا عما اختاره لأن تعذر هذا يمكن أن يحمل إلى أن يسأله الله تعالى عن أشياء لم يفعلها، ولصحّ تكليفه ما لا يطيق عليه، وكل هذا قبيح بحقه جل وعز. وقد نص الزمخشري على أن الاختيار أساس التكليف وذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ شََاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النََّاسَ أُمَّةً وََاحِدَةً} [هود: 118] قال: «يعنى لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمة واحدة أي ملة واحدة وهي ملة الإسلام

(1) التكليف: إلزام ما فيه كلفة: زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري أبو يحيى، (ت 826هـ) ، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، تحقيق د. مازن المبارك، ط 1، در الفكر المعاصر، بيروت 1411هـ، ص 68.

(2) القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة (م. و. ف. م) الجزائر، ج 2، ص 3.

(3) م ن، ج 2، ص 3.

(4) انظر د. سميح دغيم، فلسفة القدر في فكر المعتزلة، ص 306.

(5) شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 3.

(6) م ن، ج 2، ص 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت