لقد اتفق الفلاسفة وعلماء الكلام من معتزلة وأشاعرة وغيرهم أن الله هو خالق العالم وقادر على إفنائه أو إبقائه، بيد أنهم اختلفوا في تعليل خلقه تعالى للعالم وتعليل أفعاله والغاية منها، فذهب الفلاسفة إلى صدور العالم عن الله صدورا «طبيعيا» لا لغرض ولا لعلة إذ الغرضية والعلية تحتمل النقص والحاجة، ولا يحقّ إطلاق هذا على الله عز وجل. أما القول بالعلّية في أفعال الله فيمثل عند الأشاعرة تقييدا لسلطة الله المطلقة، لذا فالقول بأن الله علة للعالم يجعل من الله تعالى حسبهم فاعلا بالطبع، ما يصدر منه يلزم عنه على سبيل الضرورة، فأكدوا أن هذه الحجة لا تلزمهم ورأوا على ضوء مبدئهم لا علية ولا شرطية في خلق الله للعالم بل خلق بإرادة مختارة وإيجاد على محض المشيئة. فما دام الله تعالى عالما بعلم قديم ومريدا بإرادة قديمة، فلا يحتاج لاشتراط العلية في أفعاله. فالإنسان من حيث هو قادر بقدرة وعالم بعلم يمكن القول أنه يفعل لغرض أو لعلّة لأنه لا يبلغ حدّ الكمال المطلق. ولما كان متعذرا قياس الغائب [1] على الشاهد، فإنه لا يصحّ تطبيق ذلك على الله تعالى. غير أن المعتزلة خالفوهم فذكروا أن الله حكيم لا يصحّ أن يفعل عبثا ولا أن يخلق العالم بلا غرض ولا حكمة، وذهبوا إلى أنّ القول بهذا نوع من العبث لا يجوز عليه سبحانه. إنهم يرون أن الله خلق العالم لأجل تكليف الإنسان، وهذا يقتضي إثبات العلية والغرضية في أفعال الله تعالى.
فالتكليف عند المعتزلة علة خلق العالم، ووجه العلة عندهم في الخلق إن هو إلا مفهوم العدل الإلهي الذي يتطلب وجه الحكمة في خلقه منفعة البشر [2] .
(1) إن معرفة الغائب تحصل بالحكم لا بالتصور الساذج لأن التصور يكتسب في الحقيقة بالمشاهدة، فإذا حكمنا بأن الله عليم مريد كان الحكم صادقا لأنه بني على شواهد قاطعة لكن لا يجوز تصور الإرادة الإلهية والعلم الإلهي في ذاتهما أي النحو الذي توجد عليه الصفة في الله، فهو ممتنع تصوره لغياب الماهية الإلهية عن عقولنا والحكم على أفعال الله بحسب المقاييس الإنسانية غير جائز لأنه محدود الحكم على الحكمة الإلهية التي هي أعلى من الحكمة الإنسانية. وقد عدّ الأشاعرة من حكم على فعل الله بذلك مشبها بين الإنسان وبين الله في الأفعال. انظر الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص 310، 311، 331وكذا يوسف كرم، الطبيعة وما بعد الطبيعة، ص، 154ودي بور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص 233، 234ود. سميح دغيم، فلسفة القدر في فكر المعتزلة، ص، 89
(2) انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 317، 318وكذا يوسف كرم، الطبيعة وما بعد الطبيعة، ص، 168وكذا نوران الجزيري، قراءة في علم الكلام، الغائية عند الأشاعرة الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر 1992م، ص 52، 53، 286وما بعدها. وكذا د. سميح دغيم، فلسفة القدر