وقد ذكرنا نص الزمخشري عند تفسيره سورة آل عمران [1] الذي ضمن ما قيل في فائدة المجيء بالمتشابه في القرآن الكريم، والتي تتحدد في الدعوة إلى النظر والتأمل والتمعّن والتفكر والامتحان والابتلاء. والإنسان في كنف هذا يذعن ويسلم بما يحتاج إلى الإذعان والتسليم غير أنه يبحث، ويجتهد في الذي يحتاج إلى الطلب والبحث. ولعل هذا هو الذي جعل التأويل يأخذ أهمية بارزة لدى المسلمين كلهم الأمر الذي أدّى إلى اختلاف مواقفهم فيه بين رافض له، ومتساهل في اعتماده أو معتدل جمع بينه وبين المنقول أو أخذ بالمنقول أصلا دون أن يتعمق في المعقول.
بنى المعتزلة فهمهم لنصوص القرآن الكريم على أصولهم الخمسة محتكمين إلى العقل الذي اعتمدوه أساسا لفهم الشريعة، وعلى أن الشريعة مؤكّدة لما في العقول ومتفقة معه، وغير دالة وحدها على وحدانية الله وعدله وسائر الأحكام العقلية [2] . تحرّزوا في الأخذ بالنقل، وتأوّلوا ما رأوا ظاهره مخالفا للعقل، ومنحوا العقل دورا أوليا سابقا على الشرع فصار الدليل السمعي تابعا للدليل العقلي وهو ما ظهر في قول القاضي عبد الجبار حين تعرّض للأدلة: «اعلم أن الدلالة أربعة: حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع» ثم قال: «ومعرفة الله تعالى لا تنال إلا بحجة العقل وما عداها فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله» [3] . وقد قدّمه الزمخشري أيضا على الأدلة كلها، ويبدو ذلك عند تفسيره قوله تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} [يوسف: 111] . قال: بأن العقل يحتاج إليه
على الصغائر. وقال الأصم: المحكم نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة والمتشابه نعته في القرآن. وقال بعض السلف الحروف المقطعة في ابتداء السور وما عداها محكمة. وقيل: المتشابه ما ورد عليه النسخ والباقي محكم. وقيل: المتشابه ما عسر إجراؤه على ظاهره كآية الاستواء. وقال الزجاج: الكل محكم إلا آيات القيامة. المنخول، ص، 170وانظر تفسير القرطبي (ت 671هـ) ، ج 2، ص 9وما بعدها.
وكذا أبو حيان الأندلسي (ت 754هـ) ، البحر المحيط في التفسير، ج 3، ص 22، 23وقال الشوكاني (ت 1250هـ) : المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها والمتشابه ما احتمل أوجها. وقيل: المحكم الفرائض والوعد والوعيد والمتشابه القصص والأمثال. إرشاد الفصول ص، 65
(1) آل عمران: 7.
(2) انظر د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، ص، 60
(3) شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص، 40