فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 451

الدين لأنه القانون الذي تستند إليه السنة والإجماع والقياس بعد أدلة العقل [1] .

فالعقل أصل الشرع تتوقف صحته عليه، ولا يستدل على توحيد الله سبحانه، وعدله عندهم بالكتاب وبالسنة وبالإجماع، وإنما يستدلون عليهما بالعقل إذ لا يعرف الله تعالى إلا بالعقل، ولا يستدل عندهم بالقرآن الكريم على ما يدل عليه من معان إلا بعد معرفة أن قائله صادق في أخباره، لا يكذب ولا يجوز عليه الكذب ويتوقف هذا على كونه عدلا حكيما لا يفعل القبيح وهذا بدوره مبني على معرفة كونه عالما بقبح القبيح مستغن عنه، فلا يجوز الاستدلال على هذه الأصول الاعتقادية به، لأنه فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله. ولا يستدل بالسنة النبوية عند المعتزلة أيضا إلا بعد ثبوتها سنة رسول عدل حكيم، ولا بالإجماع لأنه إما أن يستند إلى القرآن الكريم باعتباره حجة أو إلى السنة. وهما فرعان عن معرفة الله عز وجل [2] . ولكن ثمة أمور سمعية لا يتوقف الدليل فيها على العقل بل على السمع مثل كيفية العبادات والثواب والعقاب [3] . ولا بد أن توضّح أن أسبقية الدليل العقلي على الدليل الشرعي (السمعي) عند المعتزلة باعتبار الأول أصلا، والثاني فرعا لا يوحي بالتعارض لأنهم عدّوا الشريعة توكيدا لما في العقول وقالوا ليست وحدها الدليل على وحدانية الله وعدله وسائر الأحكام العقلية. قال القاضي عبد الجبار: «إن سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكدا لما في العقول. فأما أن يكون دليلا بنفسه يمكن الاستدلال به ابتداء فمحال» [4] .

ولا تفيد الدلائل النقلية (السمعية) عند المعتزلة اليقين لأنّ إفادتها تتوقف على العلم بالوضع أي بوضع الألفاظ التي نقلت عن النبي صلى الله عليه وسلم إزاء معان مخصوصة، وكذلك على الإرادة [5] أي العلم بأن المعاني مرادة له، إذ العلم بوضع الألفاظ

(1) الكشاف، ج 1، ص، 450

(2) م ن، ج 1، ص، 41

(3) انظر القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، حقق بإشراف طه حسين وإبراهيم مذكور، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مصر 1960، 1965، ج 15، ص، 27.

(4) م ن، ج 4، ص 174، 175وكذا ج 16، ص 354، وانظر د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص، 59

(5) فعل الإرادة اعتقاد النفع أو ظنه وميل يتبع ذلك بعد اعتقادنا أنّ الفعل الفلاني فيه جلب نفع أو ضر ميلا إليه. وهو مغاير للعلم. انظر الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص، 148ود. سميح دغيم، فلسفة القدر في فكر المعتزلة، ص، 196

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت