في ثبوت الرؤية له في أي وقت من الأوقات نقصا وذما. فهم قالوا بأن سياق الآية اقتضى ذلك، وكذلك ما قبلها وما بعدها لأن جميعه في مدائح الله تعالى [1] .
وهكذا فالله جل جلاله لما وضع تميّزه عما عداه من الأجناس بنفي الصاحبة والولد بيّن أنه يتميز عن غيره من الذوات بأن لا يرى ويرى. وذكروا أنّ الأمة أجمعت على ورود الآية مورد التمدّح بأن الله تعالى لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، ومنهم القائل إن التمدح هو بأن لا يرى بهذه الحواس، ويجوز أن يرى بحاسة أخرى. وجعلوا التمدح يقع والله يرى ولا يرى ولا يمتنع في الشيء أن لا يكون مدحا ثم يصير مدحا بانضمام شيء آخر إليه. وهكذا فلا مدح في نفي الصاحبة والولد مجردا ثم إذا انضم إليه كونه حيا لا آفة به صار مدحا، فلا مدح في أن لا أول له لأنّ المعدومات تشاركه في ذلك ثم يصير مدحا بانضمام شيء آخر إليه وهو كونه قادرا، عالما، حيا، سميعا، بصيرا، موجودا.
ومحصّل ما سبق أن فكرة المدح ترتبط بتباين ذات الله تعالى عن ذوات البشر، ولا تعدو أن تكون سوى تنزيه الله سبحانه عن صفات النقص البشرية وتأكيد صفات الكمال، فعلى الرغم من اتصافنا بالحياة والعلم والإرادة والسمع والبصر فإننا نتفاوت فيها. أما هي عند الله تعالى فبلغت أوج كمالها. وأما صفات الضعف والنقص لدى البشر فمنفية عنه عز وجل نفيا مطلقا. وهذا يفسّر أن البينونة بين الذات الإلهية وغيرها من الذوات أساس المدح، لذلك أضاف القاضي عبد الجبار: «أن المدح إنما يقع لما تقع به البينونة بينه وبين غيره من الذوات.
والبينونة لا تقع إلا بما نقوله لأن الذوات على أقسام: منها ما يرى ويرى كالواحد منا، ومنها ما لا يرى ولا يرى كالمعدومات، ومنها ما يرى ولا يرى كالجماد، ومنها ما لا يرى ويرى كالقديم سبحانه وتعالى» [2] .
ولقد تمسك المعتزلة في قوله تعالى: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصََارَ}
[الأنعام: 103] بالمعنى اللفظي للنفي العام الذي أخذوه دليلا على ما ذهبوا إليه
(1) انظر القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص، 164وكذا أمالي المرتضى، ج 1، ص 22.
(2) م ن، ج 1، ص، 165وأمالي المرتضى، ج 1، ص 22، قال المرتضى: «تمدّح الله تعالى بنفي الرؤية عنه وبإثباتها له ولا يشاركه في هاتين الصفتين مشارك» . وانظر د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص 192، 193ود. علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية، ص 298