الإحاطة ومنه: {حَتََّى إِذََا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} [يونس: 90] أي أحاط به و: {إِنََّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] أي محاط بنا، فالنفي إذا عن الأبصار إحاطتها به عز وعلا لا مجرد الرؤية يدلنا أن تخصيص الإحاطة بالنفي بطريق المفهوم بثبوت ما هو أدنى من ذلك وأقلّه مجرد الرؤية. كما أنا نقول: «لا تحيط به الأفهام وإن كانت المعرفة بمجرّدها حاصلة لكل مؤمن، فالإحاطة للعقل منفية كنفي الإحاطة للحس وما دون الإحاطة من المعرفة للعقل والرؤية للحس ثابت غير منفي» [1] ، وقد ردّ المعتزلة نافين أن يكون الإدراك بمعنى الإحاطة معللين ردّهم بأن معنى الإحاطة ليس بمعنى الإدراك لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها لأنهم يقولون: السور أحاط بالمدينة، ولا يقولون: أدركها أو أدرك بها وذهبوا إلى أنه كما لا تحيط به الأبصار فكذلك لا يحيط هو بالأبصار لأن المانع في الموضعين واحد، فلا يجوز حمل الإدراك المذكور في الآية على الإحاطة [2] .
لكن المعتزلة فرّقوا بين الإدراك المطلق والمقيد بالنظر الذي أوّلوا عليه قوله تعالى: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ} [الأنعام: 103] «ووجه الدلالة في الآية هو ما قد ثبت من أنّ الإدراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية» أما «إذا أطلق يحتمل معاني كثيرة فقد يذكر ويراد به البلوغ، يقال: أدرك الغلام أي بلغ الحلم
ويراد به النضج والإيناع، يقال: أدرك الثمر إذا أينع» [3] . وإذا قيل عند الإطلاق:
«أدركت ببصري حرارة الميل» ، فكيف يصح قولكم: «إنّ الإدراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية» ؟ أجاب القاضي عبد الجبار: «ليس هذا من اللغة في شيء وإنما اخترعه ابن أبي بشر الأشعر ليصحّح به مذهبه إذ لم يرد في كلامهم لا المنظور [4] ولا المنثور يبين ما ذكرناه، ويوضحه أن هذه الباء إذا دخلت على
(1) الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، هامش الكشاف، ج 2، ص، 42وانظر الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص 307، 309وكذا د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص 194 195.
(2) انظر القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص 168.
(3) م ن، ج 1، ص، 162وانظر ابن منظور، لسان العرب، ج 2، ص 138، ج 3، ص 235، ج 5، ص 54.
(4) لصحيح أن يقال: = المنظوم = ولا ندري أيعود منشأ الخطأ إلى الأصل أم إلى نسخة هذا الطبع، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر.