الأسامي أفادت أنها آلة فيما دخلت فيه كقولهم: مشيت برجلي، وكتبت بقلمي، والبصر ليس بآلة في إدراك الحرارة إذ الخيشوم يشاركه في ذلك، فلو كان آلة فيه لم يجز فيه ذلك، ألا ترى أن البصر لما كان آلة في الرؤية لم يشاركه فيه آلة السمع وغيره من الحواس» [1] ، وعلى هذا فالإدراك على معنى الإطلاق يصح إذا لم يكن مقرونا بالبصر، وأما إذا قرن به زال الاحتمال عنه واختص بالرؤية بالبصر، فإن صح هذا فإنّ قوله سبحانه: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ} [الأنعام: 103] معناه لا تراه.
يظهر مما أشار إليه أيضا بعض الدارسين [2] أن فكرة القاضي عبد الجبار تطرح تمييزا بين «أدرك» عند الإطلاق وبينها عند تقييدها بالنظر، وهذا يكشف عن أن اللفظ يصبح ذا معنى محدد من خلال التركيب والسياق.
غير أن الآية قد تطرح قضية أخرى هي كيف يدرك هو الأبصار؟ قال القاضي عبد الجبار: «فإن المراد بالأبصار المبصرون إلا أنه تعالى علق الإدراك بما هو آلة فيه وعنى به الجملة. ألا ترى أنهم يقولون: مشت رجلي، وكتبت يدي، وسمعت أذني ويريدون الجملة، وعلى هذا المثل السائر «يداك أوكتا وفوك نفخ» [3] ثم أضاف: «وبعد فإن المراد بقوله تعالى: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ} [الأنعام: 103] المبصرون بالأبصار، فكذلك في قوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصََارَ} [الأنعام: 103] ، فيجب أن يكون هذا هو المراد بكون النفي مطابقا للإثبات، والله تعالى ليس من المبصرين بالأبصار» [4] ، وقد فسر الزمخشري «الأبصار» بالمدركين. قال: «ولا يدركه مدرك» [5] . وهكذا يكون معنى الآية الكريمة أن المبصرين لا يدركون الله غير أن الله تعالى يدركهم، وينتج عن تأويل الأبصار بالمبصرين اقتضاء هو أن يرى الله نفسه لأنه من المبصرين. بيد أن المعتزلة يردون عقليا هاهنا أيضا «وثبت أنه تعالى نفى عن نفسه إدراك البصر، ونجد في ذلك تمدحا راجعا إلى ذاته، وما كان من نفيه تمدحا راجعا إلى ذاته كان إثباته نقصا، والنقائص غير جائزة على الله تعالى في حال من الأحوال» [6] سواء في الدنيا أم في الآخرة.
(1) م ن، ج 1، ص 164163.
(2) انظر د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص 195.
(3) م ن، ج 1، ص 168.
(4) م ن، ج 1، ص، 169.
(5) الكشاف، ج 2، ص 41.
(6) م ن، ج 1، ص، 162وكذا الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص، 308لكن الصحابة فسروا قوله