وقد تأوّل الزمخشري الأبصار على أنها المبصرون في هذا المقام كما فعل القاضي عبد الجبار فيما ذكره آنفا. قال الزمخشري: «هو الجوهر اللطيف الذي ركّبه الله في حاسة النظر وبه تدرك المبصرات، فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه لأنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والهيئات: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصََارَ} [الأنعام: 103] ، وهو للطف إدراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك: {وَهُوَ اللَّطِيفُ} يلطف عن أن تدركه الأبصار {الْخَبِيرُ} بكل لطيف يدرك الأبصار، لا تلطف عن إدراكه وهذا من باب اللف» [1] . وقد ساعده ربط آخر الآية بأولها من تجنب ما يثيره تأويل «الأبصار» بالمبصرين فنفي إدراك الأبصار لله عز وجل يؤكد لطفه، وبأن إثبات إدراكه للأبصار يؤكده كونه خبيرا. وهو حين عدّ الأبصار جواهر لطيفة يدركها الله تعالى إنما يعكس أساسا كلاميا عند المعتزلة، وعليه يرى الله سبحانه ما تجوز عليه رؤيته. وبهذا تجنب الزمخشري الاعتراض الذي كان من الممكن أن يواجهه به الخصوم [2] .
ورد المعتزلة على الخصوم حين قالوا: إنه إذا كان يستحيل أن يرى الله تعالى في الدنيا {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ} [الأنعام: 103] ، فلم لا يجوز رؤيته في الآخرة:
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ (22) إِلى ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] ، إذ الوقت الذي قال إنه لا تدركه الأبصار فيه غير الوقت الذي أخبرنا أنها تنظر إليه فيه [3] ، وكان ردّهم مبنيا على تعليلين:
لكن الصحابة فسروا قوله تعالى {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ} الآية تفسيرين: الأول لا يرى في الدنيا وهو مروي عن أم المؤمنين عائشة نافية أن يكون الرسول عليه السلام رأى ربه ليلة المعراج. الثاني: تفسير ابن عباس الآية السابقة: لا تحيط به الأبصار، فالنفي للإحاطة لا للرؤية، وهذا عام في الدنيا وفي الآخرة، ولم ينقل عن أحد من الصحابة من طريق صحيح ولا ضعيف أنه أراد نفي الرؤية في الآخرة.
وليس نفي الرؤية [في الأعراف: 143] {لَنْ تَرََانِي} للتأبيد. أما الحديث: «لن يرى الله أحد في الدنيا ولا في الآخرة» فموضوع مكذوب باتفاق أئمة الحديث والسنة. كما أن (لن) ليست للتأبيد الذي ذكره الزمخشري.
انظر حافظ بن أحمد حكمي، معارج القبول، ج 1، ص 362361.
(1) الكشاف، ج 1، ص 4241.
(2) انظر د. نصر حامد أو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص 106.
(3) انظر الأشعري، كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص 65.