الأول: قالوا فيه: إنّ الآية: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ} [الأنعام: 103] وردت مورد التمدح، نفى فيها الله عز وجل أن تدركه الأبصار، وهو نفى تمدّح راجع إلى ذاته لذا يعدّ إثباته نقصا لا يجوز على الله سبحانه.
الثاني: أن الله تعالى نفى أن تدركه الأبصار على الإطلاق بغير تحديد للوقت، فوجب القطع بأن المراد كل حال في الدنيا وفي الآخرة لأنّ إثبات صفات النقص لا يجوز على الله تعالى في الدارين، فوجب ألّا يرى فيهما أو في وقت دون وقت، كما لا يجوز القول بأن المقصود بقوله تعالى: {لََا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلََا نَوْمٌ}
[البقرة: 255] أنه نفي في وقت دون وقت [1] ، وقال الزمخشري: «أي لا يأخذه نعاس ولا نوم وهو تأكيد للقيّوم لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوما» [2] .
واعتمدوا في قوله تعالى لموسى عليه السلام حين طلب رؤية الله تعالى:
{لَنْ تَرََانِي وَلََكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكََانَهُ فَسَوْفَ تَرََانِي} [الأعراف: 143] على معنيين: الأول: أن (لن) للتأبيد، فقد نفى أن يكون مرئيا البتة، وفي هذا دليل على استحالة الرؤية عليه [3] . أما الزمخشري فجعلها لتأكيد النفي الذي تعطيه لا، ف (لا) تنفي المستقبل.
ولتأكيد نفيه تقول: «لن أفعل غدا، والمعنى: أن فعله ينافي حالي أي منافاة الرؤية لحال البارئ، كقوله: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبََابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73] ، فقوله: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ} [الأنعام: 103] نفى الرؤية فيما يستقبل. ولن تراني: تأكيد وبيان، لأن النفي مناف لصفاته» [4] . الثاني: أن الرؤية مستحيلة استحالة مطلقة على الله تعالى لأنه سبحانه علّق الرؤية باستقرار الجبل في هذه الآية، وعليه تكون الرؤية إمّا معلّقة باستقرار الجبل بعد تحركه وتدكدكه، وإما
(1) انظر القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص 162، 164وكذا أمالي المرتضى، ج 1، ص 22.
(2) الكشاف، ج 1، ص 384.
(3) انظر القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص 188.
(4) الكشاف، ج 2، ص، 113وكذا ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 2، ص 114.