معلّقة به زمن تحركه. ولما كان من غير الجائز أن تعلق الرؤية باستقرار الجبل لأن الجبل قد استقر ولم ير موسى عليه الصلاة والسلام ربّه، فإنه يلزم أن يكون علّق الرؤية بالجبل وقت تحركه ليبين عز وجل بهذا أن الرؤية مستحيلة عليه مثلما هو مستحيل أن يستقر الجبل وقت تحركه [1] . وقدم المعتزلة دليلا آخر على نفي الرؤية.
قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {فَقََالُوا أَرِنَا اللََّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصََّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153] ، «بظلمهم: بسبب سؤالهم الرؤية ولو طلبوا أمرا جائزا لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه إحياء الموتى، فلم يسمّه ظالما ولا رماه بالصاعقة» [2] .
ولعل المحصل من هذا هو أنّ الخلاف بين المعتزلة، وأهل السنة هاهنا لا يمكن فيمن أحسن تأويل الآيات السابقة أو أخطأ، وإنما المسألة الجوهرية بينهما تتعلق بحقيقة الرؤية التي يبنيها المعتزلة على تأسيس علمي أصح، فهي عندهم تستدعي المقابلة، والمقابلة تستدعي الجهة، والجهة توجب كونه جوهرا [3] أو عرضا، وليس الله تعالى مقابلا أو حالا في المقابل ولا في حكمه لأن في المقابلة والحلول والجهة مناسبة للأجسام والأعراض، والله سبحانه منزه عن أن يكون كذلك. غير أنه من حقنا أن نتساءل حين ندرك أن الرؤية عند الأشاعرة لا تقتضي اتصال شعاع بين الرائي والمرئي، هل هذا يرقى إلى نفي حجة المعتزلة القائمة على أن الشيء إذا كان مرئيا كان محدودا؟
(1) انظر القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص، 189وكذا الزمخشري، الكشاف، ج 2، ص، 114وكذا أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 3، ص، 27وكذا د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص 199198.
(2) الكشاف، ج 1، ص، 577غير أن ابن المنير ردّ على الزمخشري قائلا: = أن ظلمهم مسبب عن اقتراحهم لا عن كون المقترح ممتنعا عقلا =، وبهذا ينتصر هو الآخر لأهل السنة الذين يجوّزون الرؤية: الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، هامش الكشاف، ج 1، ص 577.
انظر الترمذي (ت 279هـ) ، الجامع الصحيح سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 1، ص 692.
(3) الجوهر على أصول المتكلمين: المتحيّز، والجوهر: بسيط ومركب، البسيط لا يقبل التجزؤ. والمركب مؤلف من جوهرين فردين فأكثر. والعرض: الموجود في موضوع. وقيل: الجوهر: ما يقبل التحيّز.
والعرض: ما لا يقوم بذاته بل بغيره. انظر د. عبد الأمير الأعم، الفيلسوف الآمدي، دراسة وتحقيق، دار المناهل، بيروت، ط 1، 1987، ص 111110، وكذا زكريا بن محمد زكريا الأنصاري أبو يحيى، (ت 826هـ) ، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، ص 71.