وردّ المعتزلة على الأشاعرة وأهل السنة فيما احتجوا به على جواز الرؤية بإجماع الصحابة فقالوا: «لا يمكن ادعاء إجماع الصحابة على ذلك» ، فقد روي [1] عن عائشة أنها قالت: «لما سمعت قائلا يقول: إن محمدا رأى ربه، فقالت: لقد قفّ شعري مما قلت. ثلاثا. من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله ثم تلت قوله تعالى: {وَمََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللََّهُ إِلََّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ} [الشورى: 51] رغم أن بعض الدارسين رووا في سياق ما قالته عائشة رضي الله عنها أنه قيل للإمام أحمد: «إنهم يقولون: إن عائشة قالت: من زعم أن محمدا رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية» [2] ، فبأي شيء يدفع قولها؟ قال: بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت ربي» . قول النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من قولها» [3] . وليس في الآية السابقة عند الشريف المرتضى أكثر من ذكر الحجاب، وليس فيها أنها حجاب له تعالى أو لمحلّ كلامه أو لمن يكلّمه، وإذا لم يكن في الظاهر شيء من ذلك جاز صرف الحجاب إلى غيره عز وجل، مما يجوز أن يكون محجوبا» [4] ثم جوّز أنه سبحانه قد يريد بقوله: {أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ} الآية: أنه يفعل كلاما في جسم محتجب على المكلّم ليس معلوما له على التفصيل، فيسمع المخاطب الكلام دون أن يعرف محله على سبيل التفصيل، فيقال على هذا: هو مكلم من وراء حجاب. وأضاف قائلا: «روي عن مجاهد في قوله عز وجل:
{وَمََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللََّهُ إِلََّا وَحْيًا} ، قال: هو داود أوحي في صدره فزبر الزّبور {أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ} ، وهو موسى {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} ، وهو جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وآله =، ثم بين المرتضى رأي الجبائي في معنى الآية بأنه جار مجرى الإيماء والتنبيه على شيء من غير الإفصاح به، وأنه تعالى يحجب ذلك الكلام عن
(1) ذكر جولد زيهر الرواية في هذه المسألة بشيء من الاختلاف. قال: «قيل لعائشة: إن كعب الأحبار يقول:
إن الله قسّم رؤيته وكلامه بين نبيين موسى الذي (كلمه الله) ومحمد الذي (أذن له برؤية الله) قالت:
معاذ الله لقد قفّ شعري مما قلت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله». مذاهب التفسير الإسلامي، ص 128.
(2) انظر الزمخشري، الكشاف، ج 3، ص، 476الفرية: جمع فرى، الكذب واختلاقه.
(3) انظر محمد صديق حسن خان القنوجي، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر، ص 115وهامش رقم 252.
(4) أمالي المرتضى، ج 2، ص 205