جميع خلقه إلا من يريد أن يكلّمه به ككلامه لموسى عليه السلام وحده أولا بينما أسمعه ثانيا والسبعين الذين كانوا معه، وحجبه عن جميع الخلق سواهم، فالكلام هو الذي كان محجوبا عن الناس. وجعل هو الحجاب كناية عن الخفاء والبعد ونفى الظهور [1] .
ويفسّر الزمخشري الآية بأنه ما صح لأحد من البشر أن يكلّمه الله تعالى إلا على ثلاثة أوجه: إما عن طريق الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب. أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليه السلام في ذبح ولده أو كما أوحى تعالى الزبور إلى داود في صدره. وإما أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام دون أن ينظر السامع من يكلّمه لأنه في ذاته غير مرئي [2] . أما قوله تعالى:
{أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ} فكما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه وهو من وراء الحجاب فيسمع صوته ولا يرى شخصه وذلك كما كلّم موسى ويكلم الملائكة.
وإما على أن يرسل إليه رسولا من الملائكة فيوحي الملك إليه كما كلم الأنبياء غير موسى. وقيل: وحيا كما أوحى إلى رسل بوساطة الملائكة. {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} أي نبيا أي كما كلّم أمم الأنبياء على ألسنتهم ووحيا وأن يرسل: مصدران واقعان موقع الحال لأنّ أن يرسل في معنى إرسالا. ومن وراء حجاب ظرف واقع موقع الحال أيضا كقوله تعالى: {وَعَلى ََ جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191:] والتقدير: وما صحّ أن يكلّم أحدا إلا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا» [3] .
وذكر المعتزلة نفي الصحابة للرؤية مشيرين إلى خطب عمر بن الخطاب، وجاوبوا عن الأخبار المرويّة عن الرسول صلى الله عليه وسلم التي يتضمن أكثرها الخبر والتشبيه بطرق [4] :
بطرق [4] :
أولها: نفوا أن يكون الرسول قالها وإن ثبت قوله لها، فلا تعدو أن تكون سوى حكاية عن قوم.
(1) م ن، ج 2، ص 206205.
(2) الكشاف، ج 3، ص 475.
(3) م ن، ج 3، ص 475.
(4) انظر القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص 192191.