ثانيها: الطعن في روايتها كطعنهم فيما روي عن قيس بن أبي حازم عن جرير ابن عبد الله البجلي، لأن قيس هذا مطعون فيه لأنه كان يرى رأي الخوارج في الإمام علي رضي الله عنه بدخول البغض قلبه منذ أن سمع الإمام علي في الكوفة يقول: انفروا إلى بقية الأحزاب، ولأنه قيل: أصابه مسّ في آخر عمره.
ثالثها: إن سلم خبر قيس وصحّ فإنّ خبره من الآحاد الذي لا يقتضي العلم.
وهم لم يكتفوا بهذه الوسائل بل عمدوا إلى معارضة الأحاديث الشريفة بأخرى تؤكد وجهة نظرهم في نفي رؤية الله عز وجل مثلما رأينا ذلك فيما ذكر لعائشة أم المؤمنين من قبل، وما ذكر لجابر بن عبد الله عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن يرى الله أحد في الدنيا ولا في الآخرة» [1] . وزادوا إلى هذه الوسائل سلاح التأويل موظفين اللغة في تأويل الأحاديث إذ روي عن أبي ذر أنه قال: قلت للنبي: هل رأيت ربك؟ فقال: «نور هو أنّى أراه أي أنور هو؟ كيف أراه؟» [2] قال بعض الدارسين [3] :
يعني لا أراه وبهذا أوّلت (أنى) بمعنى (لا) استنادا إلى قول الله تعالى: {بَدِيعُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ أَنََّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} [الأنعام: 101] لكن أهل السنة ردّوا الحديث على أساس أن (أنى) ظرف لا نفي وبهذا الرد لم تسلم القراءة السابقة التي أوردها المعتزلة في إطار التأويل الذي يتفق مع أصولهم.
وأوّل المعتزلة الأحاديث التي ظاهرها الرؤية بمعنى العلم لا رؤية العين، فقالوا فيما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر» [4]
إن المراد ب: (سترون) ستعلمون لأن الرؤية قد تأتي بمعنى العلم في اللغة [5] ، وقد
(1) جاء في معارج القبول أن هذا الحديث موضوع مكذوب باتفاق أئمة الحديث والسنة. راجع حافظ ابن أحمد حكمي، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، ج 1، ص 362.
(2) انظر م ن، ج 1، ص 193.
(3) انظر د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص 203202.
(4) صحيح البخاري رقم 6884، وسنن الترمذي، تحقيق أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت (د. ت) ، ج 4، ص 688، والشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، ج 1، ص، 63وحافظ بن أحمد بن حكمي، معارج القبول، ج 1، ص 329312، 330وابن تيمية على الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح، ج 5، ص، 234
(5) بصر به أي علم. انظر الجوهري (ت 400هـ) ، مختار الصحاح (رأى) . وجاء في «الفائق: باب الخاء