فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 451

بمعنى العلم مقتصرا على أحد مفعولين فيقولون: أعلم ما في نفسك، ولهذا قال تعالى: {تَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِي وَلََا أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116] . وإذا قال الخصوم: إن العلم هاهنا بمعنى المعرفة ولذلك جاز الاقتصار على أحد مفعولين.

اكتفى بهذا الجواب ولم يزد عليه [1] .

وقد أشار بعض الدارسين [2] أن هذا الرد يتضمن ثلاث وسائل لغوية:

الأولى: الرؤية بمعنى العلم على مفعول واحد توسّع ومجاز، وحجة ذلك أن الهمزة إذا دخلت على الفعل المتعدي إلى مفعولين تعدّيه إلى ثلاثة مفاعيل، ولكنها قد تدخل عليه ويعدّى إلى مفعولين فقط بدليل قوله تعالى السابق: {وَأَرِنََا مَنََاسِكَنََا} الآية.

الثانية: الرؤية كالعلم لذا فإنه قد يعدّى الفعل (علم) إلى مفعول واحد، فعلى هذا جاز أن يعدّى الفعل (رأى) بمعنى (علم) إلى مفعول واحد. ولما قال الخصوم للمعتزلة: إن العلم في قوله تعالى: {تَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِي وَلََا أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ}

الآية. بمعنى المعرفة، ولهذا عدّي إلى مفعول واحد ردّوا باللجوء إلى وسيلة ثالثة.

الثالثة: قالوا: إن الرؤية في الحديث الشريف بمعنى المعرفة أي (سترون ربكم) بمعنى تعرفون ربكم كما تعرفون القمر ليلة البدر، فلا يجب أن يتعدى إلى مفعولين. وقد استغل الزمخشري هذا المعنى فوظف الرؤية بمعنى العلم والمعرفة حين فسر قوله تعالى: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] مستشهدا بالحديث الشريف، فقال: (انظر إليك) : «أعرفك معرفة اضطرار كأني أنظر إليك كما جاء في الحديث: «سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» [3] بمعنى ستعرفونه معرفة جليلة هي في الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى» [4] .

(1) انظر شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص 194.

(2) انظر د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص 204، 205.

(3) روي الحديث في جامع الترمذي رقم 2612: «عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تضامون في رؤية القمر ليلة البدر؟ وتضامون في رؤية الشمس؟ قالوا: لا. قال:

«فإنكم سترون ربكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» . قال أبو عيسى:

هذا حديث حسن صحيح غريب.

(4) الكشاف، ج 2، ص 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت