نفي التشبيه عن الله تعالى:
حرص المعتزلة على نفي التشبيه والتجسيم عن الله سبحانه، ولم يسلكوا مسلك كثير من المسلمين في الإمساك عن الكلام في الآيات التي دل ظاهرها على التجسيم أو التي فهم من ظاهرها الجهة أو المكان، وإنما سعوا إلى نفيها عن الله تعالى، ونحن نجد هذا في ردود بعضهم التي يدافعون فيها عن أصولهم، ويؤكدون فيها بأن الأمة كلها تصدق المعتزلة في أصولها التي تعتقدها وتدين بها وهي: «أن الله واحد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ف {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ}
[الأنعام: 103] ، وأنه لا تحيط به الأقطار ولا يحول ولا يزول ولا يتغير ولا ينتقل، وأنه تعالى: {الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظََّاهِرُ وَالْبََاطِنُ} [الحديد: 3] وأنه {فِي السَّمََاءِ إِلََهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلََهٌ} [الزخرف: 84] وأنه أقرب من الوريد وأنه القائل: {مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ََ ثَلََاثَةٍ إِلََّا هُوَ رََابِعُهُمْ وَلََا خَمْسَةٍ إِلََّا هُوَ سََادِسُهُمْ وَلََا أَدْنى ََ مِنْ ذََلِكَ وَلََا أَكْثَرَ إِلََّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مََا كََانُوا} [المجادلة: 7] ، وأنه القديم وما سواه محدث» [1] ، وقد نفى القاضي عبد الجبار هذا التجسيم والمماثلة، فقال: «ولو كان جسما لكان محدثا وقد ثبت قدمه لأن الأجسام كلها يستحيل انفكاكها من الحوادث التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون، وما لم ينفك من المحدث يجب حدوثه» [2] ثم قال: «لو كان الله تعالى جسما ومعلوم أن الأجسام كلها متماثلة لوجب أن يكون الله تعالى محدثا مثل هذه الأجسام. الأجسام قديمة مثل الله تعالى لأن المثلين لا يجوز افتراقهما في قدم ولا حدوث وقد عرف خلافه» [3] ، وأشار الشهرستاني إلى نفيهم التشبيه من كل وجه: «مكانا وجهة وجسما وصورة وانتقالا وتحيزا وزوالا وتغيّرا وتأثرا» وقال بأنهم «أوجبوا تأويل الآيات المتشابهة. وسموا هذا النّمط توحيدا» [4] ، وبنوا فهمهم لحقيقة الجسم على معنى أنه الطويل العريض العميق الذي لا يتحقق له ذلك إلا بالتأليف وبالتركيب.
(1) الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، ص 3635.
(2) شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص 150.
(3) م ن، ج 1، ص، 150
(4) الملل والنحل، ج 1، ص 57.