وحتى لم يبق فرق بين قولك: هذا مما عملته وهذا مما عملته يداك» [1] . أما تنصيصه على مجازه فقوله: ومن المجاز: لفلان عندي يد، وأيديت، عنده ويديت: أنعمت [2] . قال:
يديت على ابن حسحاس بن وهب ... بأسفل ذي الجذاة [3] يد الكريم
وهكذا رد المعتزلة على خصومهم بتأويل يتفق مع نفي التشبيه والتجسيم عن الله عز وجل إذ هو تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] (وأسسوا ردودهم على المبدأ اللغوي ليقضوا على المعنى الذي يفيده ظاهر اللفظ بما لا يليق لديهم بالله تعالى أو يحتوي تشبيها يخالف أحد أصولهم. وهم يوظفون في ذلك الفكر الاعتزالي، ويقرّرون معنى اللفظ لغويا ليمنعوا المعنى المشتبه فيه، ويقرّوا ما يخدم مبدأهم مستشهدين بأدلة من اللغة والشعر العربي القديم. وهم اعتمدوا المعنى المجازي الذي قادهم إليه افتراضهم أن القرآن الكريم يشتمل على كل وسائل الحلية اللازمة للجمال البلاغي الكامل الذي لا يدرك كالمجاز والتمثيل، وعلى هذا الأساس من النظر تفسير العبارات الدالة على التشبيه [4] . قال الزمخشري [5] في قوله تعالى: {يَخََافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] (من فوقهم) : «إن علّقته ب (يخافون) » فمعناه: يخافون أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن علّقته بربهم «حالا منه فمعناه يخافون ربهم عاليا لهم قاهرا كقوله: {وَهُوَ الْقََاهِرُ فَوْقَ عِبََادِهِ}
[الأنعام: 18] ، {وَإِنََّا فَوْقَهُمْ قََاهِرُونَ} [الأعراف: 127] .
وقد أضافوا مبدأ العقل باعتباره مصدر المعارف الدينية عندهم ومعيارها الذي توزن به حقيقتها يدل عليه قول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {وَمََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] »، وما صحّ مناصحة تدعو إليها الحكمة أن
(1) انظر أساس البلاغة، ص 512.
(2) م ن، ص، 512وكذا الإيجي، المواقف في علم الكلام، مكتبة المتنبي، ص، 298وكذا زهدي جار الله، المعتزلة، ص 3736.
(3) ذو الجذاة موضع في بلاد غطفان، وفي اللسان مادة (يدي) ، ج 15، ص 421، قال بعض بني أسد:
بأسفل ذي الجذاة. وانظر مادة (جذا) : ج 14، ص 133.
(4) انظر جولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي ص 153152138وما بعدها. وكذا د. محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون، ج 1، ص 360355.
(5) الكشاف، ج 2، ص 413412.